فهرس الكتاب

الصفحة 16382 من 27345

د. مسفر بن علي القحطاني* 5/11/1424

عندما يولد الإنسان و يخرج إلى الحياة ينساب في تيارها السائر السادر تحكمه نواميسها, ويعتلج في عرصاتها متقلبًا بين جوانبها المتنوعة المختلفة، ينمو في أثنائها ولا يتوقف, يكبر فيه كل شي ولا يسكن, يتغير في كل لحظة بهدوء وأحيانًا بعنف, فالتغير ..هو قانون الحياة.

إن ذلك النمو الذي يسري في كل أجزاء الإنسان لا يقتصر على جزء من كيانه دون الآخر؛ بل يشمل بدنه وعقله وروحه وسلوكه وعواطفه وكل مكوناته.

إن الإنسان في نموه وتطوره كان يخضع لقانون التدرج والانسياب في كل مراحله العمرية إلى أن ينتهي به المطاف وهو لا يزال يخضع لهذا القانون, كما في قولة تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) [ الروم 54] .

إن تجاوز قانون التدرج والمرحلية في التعامل مع الإنسان وبالأخص في مفاهيمه وأفكاره, أو دعوته لتغيير سلوكه وطبائعه, أو الرغبة في إصلاح بيئته ومجتمعه، لن يحقق هذا التجاوز أي نفع في الإصلاح والتغيير المنشود؛ بل قد يثمر في نفس ذلك الفرد ردّة فعل تقوده للتمسك بقديمه والافتخار بما كان عليه والاحتراب من أجله لو استطاع.

إن النفوس التي ألفت الاعوجاج وقد عاشت فيه دهرًا طويلًا تتصلب على ما تألف من المعاصي والمخالفات, وإذا أردنا لها نقلة مفاجئة سريعة: صاحت وتمردت وتفلتت تبغي التملص فيُضطر إلى الترفق والتدرج في حملها على تنفيذ الحق والعمل بالشرع.

والأساس الفقهي الذي تستند عليه قاعدة التدرج يكمن في قواعد ترجيح المصالح الكبيرة والعظيمة والدائمة على سواها من المصالح الصغيرة والجزئية والمنقطعة؛ لأن امتناع الناس عن الامتثال للشرع كله دفعة واحدة قد يؤدي بهم إلى الشقاق وإحداث الفتن العارمة، وهي لا شك مفسدة كبيرة تبعد وتنأى باحتمال مفسدة تأخير إعلان تطبيق الشرع والحق الذي يرفضونه.

يؤيد ذلك قول عائشة -رضي الله عنها-:"إنما نزل أول ما نزل منه - أي من القرآن - سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام: نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا . لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا .." (1)

إن الحكمة تفرض على المسلم مراعاة أحوال الناس والمخاطبين، فمقدار امتثالهم لأحكام الشرع يختلف ويتباين فلا ينبغي للداعي إلى الله معاملة الناس جميعًا بالمثل أو التعجل في إلزامهم بالحق كله ونفوسهم قد ألفت غيره واعتادت عليه. ومن الأمثلة المبيّنة لذلك الأمر ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في النهي عن المعازف والضرب بها، ومع ذلك فقد جاء عن بريده أنه قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض مغازيه ، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت:"يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدّف وأتغنى، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا". فجعلت تضرب ، فدخل أبو بكر رضي الله عنه وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ، ثم دخل عثمان وهي تضرب ، ثم دخل عمر فألقت الدّف تحت استها ثم قعدت عليه . فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إن الشيطان ليخاف منك يا عمر ، إني كنت جالسًا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ، ثم دخل علي وهي تضرب ، ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف". (2) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت