فهرس الكتاب

الصفحة 15617 من 27345

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله المتوحد بالجلال بكمال الجمال تعظيمًا وتكبيرًا، المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديرًا وتدبيرًا، لا إله بحق إلاه نزل الفرقان بذلك ليكون للعالمين نذيرًا.

وصلى الله وسلم على خير الموحدين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فإن دروس الأنبياء في التوحيد كثيرة، فما من رسول إلاّ وقد دعا إلى التوحيد وحذر من الشرك، كما قال الله _تعالى_:"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" [النحل:36] .

والوقوف مع بعض دروس أولئك يحتاج إلى سفر عظيم، فالكلام فيه يطول، والحاجة إلى بحثه والكتابة فيه مطولةً ماسة، ولعل ما لايدرك جله لايترك كله، ولهذا أقف هنا مع درس واحد ألقاه الكريم بن الكريم بن الكريم في أحد السجون -التي غصت في الماضي ولا تزال في دول البغي والعدوان تغص بالموحدين- إنه درس يوسف عليه السلام لصاحبي السجن، ولطوله الظاهر -عند أهل التأمل والتدبر- أشرع فيه عرضًا من منتصفه، وأقف مع قوله:"وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ" [يوسف:38] ، وفي هذه الآية يبدو أن يوسف -عليه السلام- ذكر آباءه لفائدة، إذ ربما يعرف السجينان طرفًا من أخبارهما؛ لأن إبراهيم _عليه السلام_ أشهر من علم على رأسه نار، وقد كانت له مواقف مذكورة مع حاكم مصر، ويبدو أن القوم كانوا يزعمون أنهم على شيء من دين إبراهيم ودلائل هذا في سورة يوسف كثيرة.

والشاهد أنه ذكر لهم أن أئمة الهدى الذين سماهم ما كان لأحد منهم أن يشرك بالله من شيء، وقوله: (ما كان لنا) صيغة جحود تقتضي مبالغة انتفاء الوصف عن الموصوف، فأصل الكلام أن يقال ما كنا نشرك بالله، فلما أراد المبالغة في نفي الشرك نفى المصدر (أن نشرك) أي ما كان لنا الإشراك، وعبر بالمصدر لدلالته على الجنس مجردًا عن زمن بخلاف الفعل، ثم التعبير بالمصدر اقتضى إدخال لام الاستحقاق على متعلقه، فأدخل لام الاستحقاق ونفى الجنس عنهم بنفي الاستحقاق، وهذا من بديع الكلام البليغ، فالمعنى ما كان من حقنا الإشراك، فترك ما ليس بحق ألزم من ترك أمر قد يكون من حق التارك، فلو قال قائل ما كنت أفعل كذا، قد يقال: ليس ذلك لعدم استحقاقه الفعل لكن لكرم أخلاقه أو غير ذلك، أما إن قال ما كان لي أن أفعل كذا، فهذا يقضي بأنه ليس من حقه أن يفعل كذا، فلا يحق لهم فعله.

ثم مع هذا التأكيد قال: (من شيء) فأدخل من على المفعول ليحقق العموم، فكأنه يقول ما كان لنا أن نشرك بالله نبيًا مرسلًا، ولا ملكًا مقربًا، ولا كوكبًا معظمًا، ولانجمًا متوهجًا، ولا كل ما يصح عليه إطلاق لفظ الشيء غير الله، وكل ذلك جار على عادة الأنبياء في تعظيم الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشرك، بخلاف من تنكب سبيلهم، فتراه ثاني عطفه يظن أنه قد حقق التوحيد، فإذا أمر آمر به أو نهى عن ضده، فلا يظن أبدًا أن الكلام متوجه إليه، أو أنه مقصود مخاطب به، بل ربما رأى الدعوة إليه والتذكير به من الفضول إذ الناس مسلمون، وإذا حسن حاله ظن أن المخاطبين به إنما هم أناس في بلد غير بلده، أو أن الكلام قصر على الذين يدعون الموتى ويطوفون بالقبور وينذرون لها ويحجون، فأعيذك أيها القارئ وأعوذ بالله أن تكون تلك حالي أو حالك، أو هذا ظني وظنك، بل أنت أنت المراد، أنت أنت المخاطب بتحقيق التوحيد واجتناب الشرك، ولي في ما أقول لنفسي العظة والعبرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت