فهرس الكتاب

الصفحة 6105 من 27345

الثابت والمتغير من أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية(1/2)

... بقلم: الدكتور مسعود فلوسي

هناك حقيقتان مهمتان لا ينبغي أن نغفل عنهما ونحن نتحدث عن أي نوع من أنواع الأحكام الشرعية في الشريعة الإسلامية:

أما الحقيقة الأولى فمفادها؛ أن أحكام الشريعة الإسلامية كُلٌّ متكاملٌ وليست تَفَارِيقَ أو أجزاء منفصلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن أي تناول لأي قسم من هذه الأحكام، ينبغي أن يكون في إطار رؤية شاملة للمنظومة العامة للتشريع، في أبعادها كلها؛ العقدية والأخلاقية والتشريعية.

المصالح والمفاسد ليست كلها على درجة واحدة من الثبات؛ فهناك مسالك أو تصرفات تصدر عن المكلفين ترتبط بمصالح أو مفاسد ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان وأحوال الأفراد والمجتمعات، وهو ما يقتضي أن يهيئ لها الشارع أحكاما ثابتة تتكفل بجلب ما كان منها مصلحة ودفع ما كان منها مفسدة..

وهذه المنظومة العامة للتشريع مُنَزَّلَة من الحكيم الخبير، الذي هو الله سبحانه وتعالى، الخالق الرازق المشرع، الذي لا مُشَرِّع سواه، وهو عز وجل قد ارتضى لعباده هذه المنظومة التشريعية وأمرهم أن يلتزموا بها كُلَّها، ولم يَقْبَلْ منهم الالتزام بغيرها، قال سبحانه وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا} (1) . وقال عز وجل: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} (2) . كما لم يقبل منهم أن يتمسكوا ببعضها ويتركوا البعض الآخر، فقال عز من قائل: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (3) .

وأما الحقيقة الثانية؛ فإنه من المعلوم قطعا أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، فكل ما هو مصلحة أو سبب إلى مصلحة فقد تواردت الأدلة على طلبه والحث على فعله، وكل ما هو مفسدة أو سبب إلى مفسدة فقد تواردت الأدلة على طلب تركه والنهي عن فعله.

لكن المصالح والمفاسد، كما هو معلوم، ليست كلها على درجة واحدة من الثبات؛ فهناك مسالك أو تصرفات تصدر عن المكلفين ترتبط بمصالح أو مفاسد ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان وأحوال الأفراد والمجتمعات، وهو ما يقتضي أن يهيئ لها الشارع أحكاما ثابتة تتكفل بجلب ما كان منها مصلحة ودفع ما كان منها مفسدة.. وفي هذا الإطار يندرج تحريم الشرك والنفاق والسحر وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير والسرقة وأكل الربا واقتراف فاحشة الزنا وقتل النفس والحقد والحسد والغيبة والنميمة وقطع الأرحام وما إلى ذلك من رذائل لأنها مفاسد محققة وثابتة.. وفي الإطار نفسه كذلك يندرج الأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهد وجهاد الكفار المعتدين وإكرام الضيف والصدق والصبر والأمانة والعفة والحياء وغير ذلك مما هو مصالح محققة وثابتة.

هذا النوع من المصالح، والأحكام التي جاءت لتحقيقها؛ يمثل كليات الدين وقواعده وأسسه التي لا يجوز التنكر لها أو استبدالها بغيرها، لأنها كما قال الإمام الشاطبي"كلية أبدية، وُضِعَت عليها الدنيا، وبها قامت مصالحها في الخلق، حسبما بين ذلك الاستقراء، وعلى وفاق ذلك جاءت الشريعة أيضا، فذلك الحكم الكلي باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها" (4) .

وإلى جانب هذه المصالح والمفاسد الثابتة، هناك مصالح ومفاسد متغيرة، أي أن الفعل أو التصرف قد يكون في وقت ما أو حال معينة مفسدة، ولكنه في حال أخرى أو في زمن مختلف أو في مجتمع آخر مصلحة. بمعنى أن السلوك قد يكون له أثر نافع في ظل ملابسات معينة، وفي ظل ملابسات مختلفة يتحول أثره إلى ضار. ولذلك فإن الشارع لم يأت بأحكام ثابتة تحكم مثل هذه المسالك والتصرفات، وإنما اكتفى بوضع مبادئ تشريعية عامة تتكفل بجلب كل ما هو مصلحة أو سبب إلى مصلحة، ودفع كل ما هو مفسدة أو سبب إلى مفسدة. والمبدأ العام الذي يحكم هذا كُلَّه هو قولُه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت