وقد ترك الشارع الحكيم للمجتهدين من الأمة أمر تقدير هذه التصرفات والحكم عليها بالصلاح والفساد تبعا للواقع وظروف الناس وعاداتهم. وقد استخرج العلماء من جملة أدلة الشرع عددا من المناهج التشريعية الكفيلة بإيجاد الحلول لهذا النوع من المسائل المتغيرة في حياة المكلفين، كمبدأ القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعمل بالاستصحاب. كما استخلصوا أيضا جملة من القواعد الكفيلة بمتابعة هذه المسائل بالحلول الناجعة لها في الواقع، ومنها: درء المفسدة يقدم على جلب المصلحة، التصرف على الرعية منوط بالمصلحة، الضرر يُزال، الضرر لا يُزال بالضرر، يُتََحَمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، الضرورات تبيح المحظورات، ما أبيح للضرورة يُقَدَّر بقدرها، المشقة تجلب التيسير... الخ.
أحكام الأسرة المسلمة في ضوء هاتين الحقيقتين
في ضوء هاتين الحقيقتين ينبغي أن ننظر إلى أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية، فهي أحكام تمثل جزءا من المنظومة العامة للتشريع الإسلامي الذي لم يرتضِ الله عز وجل للناس دينا غيره، إذ تَحُوطُها عقيدة جامعة وتمتزج بها أخلاق ربانية سامية وترتبط بها أحكام متعلقة بالشؤون الأخرى من الحياة. والمسلم في إطار هذه الأحكام كلها إنما يحكمه مبدأ واحد، وهو أنه عبدٌ لله عز وجل مُكَلَّف بأن يمتثل لأوامره سبحانه وتعالى وينتهي عما نهاه عنه، ولا يملك أن يقبل حكم الله عز وجل في مجال ما من مجالات الحياة ويرفض حكما آخر صادرا عنه سبحانه وتعالى في مجال آخر. كما لا يملك أن يُشَرِّعَ لنفسه أحكاما تناقض ما شرعه الله عز وجل له. ذلك أن موقف الإنسان من ربه عز وجل هو موقف العبودية، وهذه العبودية تقتضي أن يلتزم الإنسان بكل ما يأتيه من ربه على سبيل التشريع، وذلك بعض ما يفيده قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي} (6) .
وكذلك الأمر بالنسبة للحقيقة الثانية، فالمسائل المتعلقة بالأسرة منها ما هي متعلقة بمصالح أو مفاسد ثابتة ارتبطت بالأسرة منذ وجودها فهي لا تنفك عنها ولا تتغير بتغير الزمان والمكان وأحوال الناس وعادات الأفراد والمجتمعات، ولذلك وضع لها الشارع الحكيم سبحانه وتعالى أحكاما تتكفل بجلب ما كان منها مصلحة ثابتة ودفع ما كان منها مفسدة ثابتة. أما المسائل الأخرى التي قد تكون في بعض الأحيان مصالح بالنسبة للأسرة أو أسبابا لمصالح، وفي أحيان أخرى تتحول إلى مفاسد أو أسبابا لمفاسد، فإن الشارع تكفل بوضع المبادئ العامة التي تضمن جلب ما هو مصلحة ودفع ما هو مفسدة تبعا لملابسات الواقع وتبدل سلوكات الناس وعاداتهم وأعرافهم.
في أي نوعي الأحكام يجوز الاجتهاد؟
إن الذي ينبغي تقريره هنا؛ أن اجتهاد المكلفين في الأحكام الشرعية ينبغي أن ينضبط بهاتين الحقيقتين ولا يخرج عنهما.
فبالنسبة للأحكام الثابتة لا يجوز أن يُوضع شيء منها موضع اجتهاد أو نقاش. إلا ما كان من اجتهاد في كيفية تطبيقها ومراعاة أوفق السبل لتحقيق مقصود الشارع من تشريعها.
وبالنسبة للأحكام المتغيرة، ينبغي أن يكون هناك متابعة مستمرة من قبل المجتهدين لأفعال المكلفين وتصرفاتهم في إطار المسائل المتغيرة حتى يتم ملاحظة ما يطرأ عليها من تغيرات ليتم متابعتها بالاجتهادات الكفيلة بجلب ما كان منها مصلحة ودفع ما أصبح منها مفسدة.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:
"الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة مر عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه."
والنوع الثاني: ما يتميز بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها حسب المصلحة" (7) ."
ولابد من التأكيد هنا على مسألة ذات أهمية بالغة، وتتمثل في أن الأحكام الثابتة في مسائل الأسرة أكثر بكثير من المسائل ذات الطبيعة المتغيرة، فالشارع الحكيم قد أحاط الأسرة بالكثير من الأحكام التفصيلية التي من شأنها أن تسد الباب أمام أي اجتهاد بشري فيها. وما ذلك إلا لأن الأسرة ككيان اجتماعي يعتبر اللبنة الأولى في قيام المجتمع، فإذا ما صلح حال الأسرة صلُح حال المجتمع، وإذا ما فسد حال الأسرة فسد حال المجتمع، ولذلك اقتضى الأمر أن يحيط الشارع هذا الكيان بكل أسباب الصحة والعافية المتمثلة في التشريعات التفصيلية، ويمنع من إجراء التجارب التشريعية المختلفة عليه تبعا لتبدل الظروف والأحوال وتباين ثقافات الناس ونزواتهم.
في ضوء ما سبق كله، نود في هذا البحث أن نؤشر على بعض مسائل الأسرة التي لها صفة الثبات، والتي أحاطها الشارع الحكيم بأحكام ثابتة لا تتبدل ولا تتغير. ثم نتبعها بذكر مسائل أخرى ليست لها صفة الثبات والديمومة:
نماذج من الأحكام الثابتة في نطاق الأسرة
1.بطلان نكاح المحرمات