يتناول الدرس الحديث عن فئة من المجتمع المسلم وهي المستضعفون، فمن مقاصد الجهاد الدفاع عنهم، وقد شرعت الكثير من الرخص مراعاة للضعفاء، ثم عرض لمميزات الضعفاء وخصائصهم ، ثم ذكر أنواعا من المستضعفين في مجتمعاتنا، والواجب تجاههم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم، أما بعد ،،، لقد جاء الدين بحماية المستضعفين، أولئك الذين لا يجدون سلطة تحميهم، وليس لهم قوة تنفع أو تدفع إلا قوة الله، قال عز وجل:
وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا [75] { سورة النساء . فالقتال في سبيل الله عزوجل من أهدافه: حماية المستضعفين من بطش الجبارين، وحماية حقوقهم المشروعة .يقول عز وجل:} إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِين فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [97] إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [98] فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [99] سورة النساء . فجعل الله الضعف في الإنسان رجلًا أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا ؛ من أسباب الرخصة والتوسعة عليه، ولهذا تجد النبي صلى الله عليه وسلم راعى الضعفة والضعفاء في مسائل كثيرة، وراعى حالة الضعف بالإنسان كالمسافر والمريض والصغير واليتيم؛ فجعل لهم رخصًا تناسب ضعفهم وغير ذلك من الأحكام الكثيرة ، ومنها على سبيل المثال:
1-جعل صلاة العشاء في أول الوقت: حيث كان يصلي صلاة العشاء في أول وقتها مراعاة للضعفاء من أجل أن يُمَكَّنوا الصلاة أو يدركوها دون أن يشق عليهم، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ ثُمَّ قَالَ: [ إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا وَأَنْتُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلَاةَ وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لَأَمَرْتُ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ تُؤَخَّرَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ] رواه أبوداود وابن ماجه والنسائي وأحمد.
2-التخفيف بالصلاة: وكذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الإمام بالتخفيف بالصلاة، وعلل ذلك بقوله: [فَإِنَّ مِنْهُمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ] رواه البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي ومالك وأحمد . ومثل أيضًا ما يتعلق بالدفع من مزدلفة فإنه صلى الله عليه وسلم رخص للضعفاء من النساء والصبيان ومن معهم ومن في حكمهم بالدفع مبكرًا بعد مغيب القمر من مزدلفة ، وذلك مراعاة لضعفهم ، وحاجتهم إلى هذا التخفيف ، والتوسعة على الناس ؛ مراعاة لضعف الضعيف وحاجة المحتاج ، ومراعاة للكبير والضعيف والصغير والمرأة ونحو ذلك ، والضعف سبَّب الكثير من الأحكام التي شرعها الله لهذه الأمة مراعاة لحاجتها ، ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمر المغانم في الأمم السابقة بيَّن أنه كانت تنزل نار من السماء فتحرقها، فلما رأي الله ضعف هذه الأمة أحلها لها ،قال عليه الصلاة والسلام: [ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا ] رواه البخاري ومسلم وأحمد .
من مميزات الضعفاء
1-هم في الغالب الأقرب إلى الخير وإلى الله: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: [ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ الضَّعِيفُ الْمُسْتَضْعَفُ ذُو الطِّمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ اللَّهُ قَسَمَهُ] رواه أحمد. ذو طمرين يعني: ثوبين باليين خلقين. وفي حديث آخر: [ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ ] رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد . بعيد عن الكبرياء الذي هو شأن المستكبرين في هذه الدنيا الذين هم وقود النار يوم القيامة.