السؤال:
ما حكم نبش القبور ؟ وما هي تلك الحالات التي تستدعي أو تستوجب نبش القبور ؟ وهل يتغير أو يرتبط الحكم بالواقع و الظروف ؟
الجواب:
أقول مستعينًا بالله تعالى بعد حمده و الصلاة و السلام على رسوله و آله:
إن الله تعالى جعل حرمة المسلم من أكبر الحُرمات ، و أوجبها صونًا على المسلمين و المسلمات ، و هذا ما فهمه السلف قبل الخلف ؛ فقد روى ابن حبان و الترمذي بإسنادٍ حسن أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نظر يومًا إلى الكعبة فقال: ( ما أعظمَكِ و أعظمَ حُرمتِكِ ! و المؤمنُ أعظم حُرْمةً مِنْكِ ) .
و حرمة المسلم غير مقيدة بحياته ، بل هي باقية في الحياة و بعد الممات و يجب صونها و الذب عنها في كلّ حال ، و على كلّ حال .
روى البخاري أن عبد الله بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما شهد جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها بِسَرِفَ فَقَالَ: ( هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُزَعْزِعُوهَا وَ لا تُزَلْزِلُوهَا و ارْفُقُوا ) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله [ كما في فتح الباري ] : يُستفاد من هذا الحديث أنَّ حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته ، و فيه حديث ( كسْرُ عَظْمِ المؤمن ميْتًا كَكَسرِهِ حيًا ) أخرجه أبو داود و ابن ماجه و صححه ابن حبان . اهـ .
و لا شك أن في نبش القبور و نقل ما فضل من آثار الموتى في الألحاد ، انتهاك حرمةٍ أوجب الله تعالى حفظها و صيانتها و الدفاع عنها .
و عليه فإن التحريم هو الأصل في نبش قبور المسلمين ، و لا يُعدَل عن هذا الأصل إلا في حالات بيّنها أهل العلم و هي على نوعين:
النوع الأول: نبش القبر لغاية محددة لا يجوز التوسع فيها عن مقدار الضرورة ، و يجب إعادة دفن رفاة الميت في نفس الموضع الذي نُبِشَ فور بلوغ الغاية المبرِّرَة لنبشه .
و تندرج تحت هذا القسم حالات نُمَثِّل لها فيما يلي:
أولًا: إذا سقط في القبر أو نُسي فيه أثناء الدفن مالٌ مقوّم كالنقدين و مسحاة الحفَّار ، أو كان فيه شيئ مغصوب من كفن و نحوه ؛ فإنه يجوز نبشه لإخراج ما فيه من مالٍ ، و يجب على من نبشه أن يواري الميت الثرى ثانية عقب استخراج ما سقط في القبر أو نُسيَ فيه .
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله [ كما في المغني: 2/412 ] : ( و إن وقع في القبر ما له قيمة نُبِشَ و أُخْرِج . قال أحمد: إذا نسي الحفّار مِسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها ، و قال في الشيء يسقط في القبر مثل الفأس و الدراهم يُنبَش ؟ قال: إذا كانت له قيمةٌ … ] .
و قال الخطيب الشربيني [ كما في مغني المحتاج ] : ( إذا دفن في أرض أو في ثوب مغصوبين و طالب بهما مالكهما فيجب النبش ، و لو تغير الميت ، و إن كان فيه هتك حرمة الميت ليصل المستحق إلى حقه ) .
ثانيًا: إذا كان مع المدفون مالٌ مقوّم غير يسير فينبش قبره ، و يستخرج المال الذي معه ، ثمّ يسوى عليه القبر ثانية .
و قد استدل بعض أهل العلم على جواز نبش القبر لاستخراج مالٍ دُفن مع الميت بما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه و سلم يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إلَى الطّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ: ( هَذَا قَبْرُ أبي رِغَالٍ ، وَ كَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يُدْفَعُ عَنْهُ ، فَلَمّا خَرَجَ أصَابَتْهُ النّقْمَةُ الّتِي أصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا المَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ ، وَ آيَةُ ذَلِكَ أنّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ ، إنْ أنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أصَبْتُمُوهُ مَعَهُ ) . فابتدره الناس ، فاستخرجوا الغصن .
قلت: هذا الحديث ضعيف . و من أوجَهِ أوجُهِ الاستدلال على جواز نبش القبر لاستخراج متاع نفيس أو مالٍ مقوَّمٍ قياسُ الأولى ، حيث يقال: إذا شرع نبش القبر لاستخراج خاتم الحفار و مسحاته و نحوهما ؛ فمن بابٍ أولى أن يكون ذلك مشروعًا لاستخراج مالٍ كثير من النقدين و غيرهما سواء كان مما يرجع ملكه للميت في حياته ، أو لغيره ، و الله أعلم .
ثالثًا: الاضطرار إلى تشريح الجثة لمعرفة صاحبها إن لم يكن معروفًا عند الدفن أو قبله ، أو للتثبت من وقوع جنايةٍ ما و تحديد الجناة الذين تسببوا في قتل النفس المدفون صاحبها بغير وجه حق ، على ما يجري عليه العمل في العصر الحاضر ، و في هذه الحال لا بد من الرجوع إلى رأي طبيب مسلمٍ ثقةٍ في عمليه النبش و و التشريح ، كما ينبغي الرجوع إلى إذن ولاة المتوفى ( المقتول غالبًا ) قبل انتهاك حرمته ، و الله أعلم .
قلت: و هذه الصورة على وجه الخصوص جديرة بالدراسة و البحث للوصول إلى أدق الضوابط الشرعية للتصريح بنبش القبر بقصد تشريح الجثة ، كي لا تكون حرمات المسلمين محل عبث العابثين و تساهل المتساهلين ، و بالله التوفيق .