فهرس الكتاب

الصفحة 8568 من 27345

إجمال في بيان الطريق إلي الله

يقول الله وتعالي في سورة الزمر - تلك السورة التي أخرج النسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقرؤها كل ليلة: (قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا، إنه هو الغفور الرحيم) وقد ورد أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: (قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) وجاء رجل - كما ورد في مسند الإمام أحمد - إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم: شيخ كبير يد¹عم علي عصا له فقال: يا رسول الله، إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر لي؟ فقال صلي الله عليه وسلم: (ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟) قال: بلي وأشهد أنك رسول الله . قال صلي الله عليه وسلم: قد غفر لك غدراتك وفجراتك

.إن الله سبحانه وتعالي في هذه الآية الكريمة يفتح أبواب مغفرته ورحمته علي مصارعها، إنه يرجي عباده حتى لا ييأس أحد من رحمته . (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) والجو الإسلامي كله مفعم بفتح أبواب المغفرة والرحمة . . فالحج المبرور مثلًا يخرج الإنسان من ذنوبه، حتي يصبح في البراءة منها، كيوم ولدته أمه . ومن صام رمضان إيمانًا وإحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، والإسلام يجب ما قبله . وهذه الآيات الكريمة من سورة الزمر، تبدأ ببيان رحمة الله الواسعة، ومغفرته الشامله، ثم تأخذ في رسم الطريق لذلك، فيقول الله سبحانه: (وأنيبوا إلي ربكم، وأسلموا له، من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) والطريق إذن إلي مغفرة الله ورحمته إنما هو التوبة الخالصة النصوح، وهي الإنابة إلي الله سبحانه، أي التوبه في أسمي درجاتها، وإسلام الوجه لله سبحانه . (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) وأحسن ما أنزل إلينا من ربنا هو القرآن الكريم - إنه: (يهدي للتي هي أقوم) وهو مهيمن علي غيره، مبين للحق فيما يختلف فيه أهل الكتب السماوية . ثم يتلو ذلك آيات ثلاث تبين موقف الإنسان الذي لم يتب، أو الذي تاب ولم يتبع: (أن تقول نفس يا حسرتي علي ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين) أو تقول حين تري العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) وكل ذلك لا يجدي، والرد عليه حاسم من قبل الله سبحانه الحكيم العليم: (بلي: قد جاءتك آياتي فكذبت بها وإستكبرت وكنت من الكافرين) ويبين الله حالة هؤلاء يوم القيامة:

(ويوم القيامة تري الذين كذبوا علي الله وجوههم مسودة، أليس في جهنم مثوي للمتكبرين) . لا شك أن فيها مثوي للمتكبرين، مثوي يختلف ويتفاوت بإختلاف درجاتهم في الكبرياء والمعاصي وتفاوتهم فيها . ويختم الله سبحانه هذه الآيات التي ترسم المنهج وتبين المآل والمصير، ببيان مآ ومصير الذين تابوا واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فيقول سبحانه: (وينجي اله الذين إتقوا بمفازتهم، لا يمسهم السوء، ولا هم يحزنون) . لا يأس يقول الله تعالي: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد) إن من علامات صدق الإيمان الثقة المطلقة في الله سبحانه وتعالي، في رحمته، في رأفته، في عدالته، في لطفه، في عنايته بالمؤمن، ورعايته له . الثقة برحمة الله وفرجه حتي ولو كانت كل الشواهد تدل علي أن لا أمل، ولو كانت كل الظروف تشعر بالضيق . والآية الكريمة التي نحن بصددها تشرح ذلك في إيجاز واضح، وفي جمال بليغ، إنه سبحانه ينزل الغيث في الوقت الذي يظن المحتاجون أن لا أمل في قطرة ماء وينشر رحمته في الأجواء اليائسة القانطة، فينقلب الجدب خضرة يانعة، ويصير القحط روضات وجنات، وذلك أن من صفاته سبحانه أنه ولي للمؤمن، حميد في جميع تصرفاته . إنه يتولي برحمته من حقق العبودية، وأفعاله سبحانه جميدةدائمًا لأنه سبحانه حميد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت