فهرس الكتاب

الصفحة 17853 من 27345

ـ 1 ـ *

أ.د/محمد أديب الصالح

رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام

كان من إكرام الله لهذه الأمة المحمدية أن فتح لها بالقرآن مغاليق القلوب ومهد لها معارج الصلة بين العبد وربه سبحانه .. حتى بت ترى على مدى التاريخ رجالًا يعلمون الناس بالعمل قبل القول وبالسلوك قبل الموعظة ، معاني الصلة بالله عز وجل ويسلكون بهم سبل القرب إليه سبحانه وتعالى . ومن هؤلاء الرجال: عبد الواحد بن زيد الذي كان معاصرًا لصالح المري وعتبة الفلاح وأضرابهما .

لم يقتصر جهاده رحمه الله على ميدان واحد وإنما كان يخوض معارك الجهاد مع الأعداء ولا يني يجاهد نفسه ليحملها دائمًا على الجادة ، وينأى بها عن كل ما يصرفه عن مراتب المحبين في تطلع دائم إلى دار الكرامة يوم يصدق في المؤمنين قوله تعالى: [وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة] .

ولم يكن ـ رحمه الله ـ يحب أن يستأثر بتلك الأذواق الإيمانية والتنقل في مدارج السالكين وحده ، وإنما يريد أن يكون إخوانه وأحباؤه ممن تغمرهم تلك الرحمات ، وتسعدهم تلك النفحات ..

حدث عبد الله بن عبيد عن مضر القارئ قال: سمعت عبد الواحد ابن زيد يقول:

وعزتك لا أعلم لمحبتك فرحًا دون لقائك والاشتفاء من النظر إلى جلال وجهك في دار كرامتك .. فيا من أحل الصادقين دار الكرامة ، وأورث المبطلين منازل الندامة ، اجعلني ومن حضرني من أفضل أوليائك زلفى وأعظمهم منزلة وقربا .. تفضلًا منك علي وعلى إخواني ، يوم تجزي الصادقين بصدقهم جنات قطوفها دانية ، متدلية عليهم ثمرها .

وليس بدعًا أن تعمل الطاعة عملها في قلب عبد الواحد ، فيطلق لسانه بالحكمة وتسلم له مقاييس أهل الآخرة . قال مسمع بن عاصم: شهدت عبد الواحد بن زيد عاد مريضًا من إخوانه فقال: ما تشتهي ؟ قال: الجنة . قال: فعلام تأسى على الدنيا إذا كانت هذه شهوتك ؟ قال: آسى والله على مجالس الذكر ومذاكرة الرجال بتعداد نعم الله ! قال عبد الواحد: هذا والله خير الدنيا وبه يدرك خير الآخرة .

ولقد كان من حبه للجهاد وأنه طريق المؤمن إلى الجنة يذكر قول الحسن رحمه الله:

لكل طريق مختصر، ومختصر طريق الجنة الجهاد .

وعلى سنة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كان الجهاد في النهار لا يشغله عن العبادة وصحبة كتاب الله في الليل شأن أولئك الذين كانوا رهبانًا في الليل أسودًا في النهار، وتلك هي الفتوة في تاريخ الإسلام ، قال أبو عاصم العباداني حدثني عبد الواحد بن زيد قال:

كنا في غزاة لنا ونحن في العسكر الأعظم ، فنزلنا منزلًا ، فنام أصحابي وقمت أقرأ جزئي ـ أي حصته من القرآن الكريم ـ قال: فجعلت عيناي تغلبانني وأغالبهما حتى استتممت جزئي. فلما فرغت وأخذت مضجعي قلت: لو كنت نمت كما نام أصحابي كان أروح لبدني فإذا أصبحت قرأت جزئي . قال: فقلت هذه المقالة في نفسي والله ما تحركت بها شفتاي ، ولا سمعها أحد من الناس مني ، قال: ثم نمت فرأيت في منامي كأني أرى شابًا جميلًا قد وقف علي وبيده ورقة بيضاء وكأنها الفضة ، فقلت: يا فتى ما هذه الورقة التي أراها بيدك ؟ قال: فدفعها إلي فنظرت فإذا مكتوب فيها:

ينام من شاء على غفلة والنوم كالموت فلا تتكل

تنقطع الأعمال فيه كما تنقطع الدنيا عن المنتقل

قال: وتغيب الفتى عني فلم أره ! قال: فكان عبد الواحد يردد هذا الكلام كثيرًا ويبكي ، ويقول: فرق النوم بين المصلين وبين لذتهم في الصلاة ، وبين الصائمين وبين لذتهم في الصيام ..

ويذكر أصناف الخير..

ذلكم هو الإعداد النفسي للمجاهد في الإسلام .. قتال لأعداء الله وجهاد للنفس كيما تكون وقافة عند حدود رب العالمين الذي يقاتل المؤمن تحت رايته ويجاهد في سبيله ..

ويكرم الله عباده الصالحين بمزيد من الثبات ... والاستقامة على الطريق الذي يوصلهم إلى واحة المحبة ، فهم يذكرون ويخشعون ويتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار ويناجون ويتقربون إلى الله بالنوافل وبذلك يفوزون بنعيم المحبة محبة الله تبارك وتعالى لهم مصداقًا لما جاء في الحديث القدسي:

"ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ...الحديث" (1)

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

ـ 2 ـ **

ولكم دعا عبد الواحد بن زيد إلى الإخلاص في العمل ، ثمرة تذوقه لمعناه وأبعاده ؛ وكان يربط الإجابة به فيقول: الإجابة مقرونة بالإخلاص لا فرقة بينهما .

وعندما يتحدث عبد الواحد عن الصبر والرضا وعن المحبة والرجاء تراه كأنه يغترف من معين العطاء الإلهي ، ونحس من كلماته ذلك الندى الذي يخلفه صدق التوجه إلى الله .

قال خلف بن يزيد القسام: سمعت مضر القارئ يقول: قال لي عبد الواحد بن زيد: ما أحسب شيئًا يتقدم الصبر إلا الرضا ، ولا أعلم درجة أرفع ولا أشرف من الرضا ، وهو رأس المحبة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت