فهرس الكتاب

الصفحة 17854 من 27345

ويريد لنفسه وللسالكين طريق تزكية النفس والتربية الإيمانية قدرًا أكبر من العزيمة وصدق النية فيما يريدونه ويتوجهون إليه . فإذا رسخت أقدامهم على طريق أهل الفتوة وخلصت نياتهم ، وصدقت عزائمهم كان لهم عند الله ما يريدون . وهؤلاء هم الذين يجمعون دائمًا بين الخوف والرجاء يعملون ما وسعهم العمل .ويحسنون الظن بمن أسلموا الوجه إليه .فسائله لا يخيب . ويداه مبسوطتان بالعطاء سبحانه. يقول حكيم بن جعفر: سمعت مسمع بن عاصم قال: قال عبد الواحد بن زيد: من نوى الصبر على طاعة الله صبره الله عليها ، ومن نوى الصبر عن معاصي الله أعانه الله على ذلك وعصمه منها .

وكل الطاعات ـ بعد كونها التزامًا بأوامر الشريعة ـ لابد أن تكون طريق الأنس بالله والرضا عنه في كل الحالات . والقناعة الكاملة بما عنده سبحانه ، وإلا كان العمل مدخولًا لا يتجاوز الخروج من العهدة وكفى . وتلك هي مرحلة الذوق الحقيقي لمعنى العبادة والطاعة . حيث لا يجد العابد أنه إلا بمولاه. ولا يعرف إلا الرضا عن الله . ولا مكان في نفسه لغير القناعة بما تجود به العناية الإلهية فالخير منه وإليه سبحانه . وهو المعطي المتفضل على كل حال . قيل لعبد الواحد بن زيد: إن بالبصرة رجلًا يصلي ويصوم منذ خمسين سنة . وحين لقيه قال له: هل قنعت منه بعد ؟ قال: لا ! قال: فهل رضيت عنه ؟ قال: لا ! قال: فهل أنست به بعد ؟ قال: لا ! قال: فإنما ثوابك من عملك التزيد في الصوم والصلاة ؟ قال:نعم ! قال: لولا أني أستحي منك لأعلمتك أن عملك مدخول .

وفي يقين هذا الرجل الرباني أن من قدر على اقتحام العقبة ، فصبر لمحبة الله على هواه لم يكن الله ليخيب صبره ، ومن ظن غير ذلك فقد أساء الظن بربه . والله تعالى يقول في الحديث القدسي:"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه، فإذا ذكرني" (2) قال عبد الواحد: يا سيار، أتراك تصبر لمحبته على هواك فيخيب صبرك ؟ لقد أساء بسيده الظن من ظن به هذا وشبهه ، يقول الرجل: ثم بكى عبد الواحد حتى خفت أن يغشى عليه ، ثم قال: بأبي أنت يا مسمع نعمة غادية ورائحة على أهل معصيته ، فكيف ييأس من رحمته أهل محبته !!

ألا ما أكرم أن يكون من ندير الحديث عنه رحمه الله قدوة العالمين والسالكين ، لما أنه على قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . الذين تجافت جنوبهم عن المضاجع والناس نيام . وقاتلوا أعداء الله ما وسعتهم القدرة على ذلك فجمعوا الخير من أطرافه ، وكان لهم شرف الجهاد في شتى ميادينه .

ورحمك الله يا ابن زيد عابدًا زاهدًا في الدنيا ، وخاشعًا تتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، ومجاهدًا صادقًا تتقرب إلى الله بإعلاء كلمته ، وقتال الكفرة المظاهرين عن الحق ، وزادك من فضله في دار كرامته ، إنه أكرم مسؤول وأعظم مأمول ، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

*"حضارة الإسلام"السنة 15 شعبان 1394 أيلول 1974 العدد 6

(1) روى البخاري في الجامع الصحيح (كتاب الرقاق . باب التواضع) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه واستعاذني لأعيذنه . وما ترددت عن شيء أنا فاعله .. الحديث".

**"حضارة الإسلام"العدد الثاني السنة الخامسة عشرة شوال 1394 تشرين الثاني 1974 .

(2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم:"يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ، وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا وإن أتاني ماشيًا أتيته هرولةً"رواه البخاري في كتاب التوحيد والجامع الصحيح انظر الجامع الصحيح مع فتح الباري (13/384) ومسلم (4/2061) باب الذكر والدعاء والترمذي (7/581) باب حسن الظن بالله عز وجل من كتاب الدعوات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت