فهرس الكتاب

الصفحة 18447 من 27345

* مرتضى المطهري

البحث عن العوامل المؤدية للإعراض عن الدين، بحث طويل؛ وهذا السؤال، يطرح بالخصوص على أولئك المعتقدين بفطري الدين.

وأنقل هنا عن كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) حديثًا حول هذا المجال؛ حيث تعرض (وولنز أوسكار لند برج) ، في مقالته لعوامل الانحراف؛ فذكر عاملين:

يقول: ويرجع فشل بعض العلماء، في فهمهم وقبولهم لما تدل عليه المبادئ الأساسية، التي تقوم عليها الطريقة العلمية من وجود الله والإيمان به، إلى أسباب عديدة نخص اثنين منها بالذكر:

1 ـ يرجع إنكار وجود الله في بعض الأحيان، إلى ما تتبعه بعض الجماعات أو المنظمات الإلحادية أو الدولة: من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الإلحاد، ومحاربة الإيمان بالله، بسبب تعارض هذه العقيدة مع صالح هذه الجماعات أو مبادئها.

2 ـ وحتى عندما تحرر عقول الناس من الخوف، فليس من السهل أن تتحرر من التعصب والأهواء؛ ففي جميع المنظمات الدينية المسيحية، تُبذل محاولات لجعل الناس يعتقدون منذ طفولتهم، في إله هو على صورة الانسان بدلًا من الاعتقاد بأن الانسان قد خُلق خليفة الله على الأرض، وعندما تنمو العقول بعد ذلك، وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية، فإن تلك الصور التي تعلموها منذ الصغر، لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم في التفكير، أو مع أي منطق مقبول؛ وأخيرًا عندما تفشل جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الأفكار الدينية القديمة، وبين مقتضيات المنطق والتفكير العلمي، نجد هؤلاء المفكرين يتخلصون من الصراع بنبذ فكرة الله كليّةً؛ وعندما يصلون إلى هذه المرحلة، ويظنون أنهم قد تخلصوا من أوهام الدين، وما ترتب عليها من نتائج نفسية، لا يحبون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات؛ بل، يقاومون قبول أية فكرة جديدة تتصل بهذه الموضوعات، وتدور حول وجود الله.

إن هذين العاملين كانا سببًا لانحراف الكثيرين عن الدين فإن الكثير والمثقفين منهم بالخصوص قد انحرفوا، لتعرضهم على المفاهيم الدينية إبان طفولتهم؛ من الأبوين اللذين لا يمتلكان معرفة صحيحة، حولها، أو بسبب دعاة الدين الجهلاء، الذين لا يملكون إلا هذه التصورات الخاطئة والمشوهة، بحيث لا تتلائم مع العقل والعلم والمنطق.

ومن الواضح أن الانسان حين ينضج عقليًا، ويتعرف على المنجزات العلمية، والمنطقية، فلا يمكنه أني تقبل مثل هذه التصورات والمفاهيم المشوهة، غير المعقولة وغير المنطقية، للمفاهيم الدينية؛ ومن هنا يندفعون للانحراف، أو الإلحاد؛ لأنهم يعتقدون بأن الإيمان بالله، يتحدد بهذه الصور المشوهة، التي عرفتها أذهانهم؛ لذلك ينكرون الله.

ولعل هذا هو الدافع، لانحراف الكثيرين من المثقفين عن الدين، وبالحقيقة أنهم لا يرفضون المفاهيم الحقيقية لله والدين، بل مفاهيم أخرى.

وإن الكثير قد انحرفوا، نتيجة للايحاءات الغبية المشوهة للأمهات، والآباء والمبلغين الجهلة؛ لذلك امتلأت أذهانهم ـ في مجال المسائل الدينية ـ بالكثير من التصورات، والمفاهيم الخاطئة؛ وهي التي دفعتهم إلى التشكيك في الدين؛ بل إلى الإعراض عنه؛ ومن هنا يلزم علينا أن نبذل جهودًا كثيرة، من أجل عرض الصورة الصحيحة والحقيقية للأصول، والمسائل الدينية.

وقد أحسستُ شخصيًا بهذه الحقيقة المرة، لذلك بذلتُ مختلف الجهود والنشاطات، وبشتى الوسائل؛ من أجل توضيح المفاهيم والتصورات الاسلامية الأصيلة، بصورتها الحقيقية، غير المشوهة والمنحرفة، وقد دلّت تجاربي في هذا المجال، على أن هذا العمل كان ناجحًا ومثمرًا جدًا.

ولكن لا تنحصر عوامل الانحراف في هذين العاملين، فهناك عوامل أخرى نذكر بعضها:

1 ـ من العوامل التي تؤدي لانحراف الناس وتنفرهم من الدين والله، وكل القيم المعنوية، هو تلوث المحيط، بالأوحال الشيطانية، وغرق الأفراد، وغيبوبتهم في عبادة اللذة، والشهوة، والهوى؛ حيث تحفل تلك البيئة الاجتماعية بكل ما يُشعل لهيب الشهوة، والغرائز الحيوانية؛ ومن الواضح أن الغيبوبة في الشهوات الحيوانية المنحطة، تتنافى وكل المشاعر السامية، سواء كانت دينية أو أخلاقية أو علمية أو فنية أو غيرها؛ فإنها، كلها ستموت، وتنطفئ، نتيجة الحياة الحيوانية هذه.

فن عبدَ الشهوة، والغارق بأوحالها، كما لا يحس بالمشاعر الدينية الرفيعة؛ كذلك يفقد الإحساس بالعزة والشرف، والسيادة، والرجولة، والشجاعة، والتضحية؛ ويغدو أسيرًا لشهواته المادية الحسية، ويضعف ويضمر إحساسه بالأمور المعنوية جميعها، سواء الدينية منها أو الأخلاقية أو العلمية أو الفنية وغيرها.

لذلك لو أرادت أمه، أن تقتل من الأمة الأخرى، روح الدين، والأخلاق، والشجاعة، والرجولة؛ عليها أن تغرقها بوسائل اللهو، وموائد الشهوة واللذة؛ وتجارب التاريخ تشهد على هذه الحقيقة المرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت