فهرس الكتاب

الصفحة 5920 من 27345

تناول الدرس شخصية الإنسان المسلم بحيث تنشأ معتدلة, سليمة, بحيث لا يطغى فيها جانب على حساب جانب آخر, ولا يغفل فيها جانب بسبب الاهتمام الزائد بجوانب أخرى وتناول مجتمع الصحابة وذكر السمات المميزة له وتنوع مواهبهم وتخصصاتهم، ثم ذكر إرشادات مهمة يجب مراعاتها في تأسيس المجتمع والشخصية .

إن الحمد لله؛ نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونتوب إليه, و أصلى وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله, وأصحابه, ومن دعا بدعوته, واهتدى بهدية إلى يوم الدين... أما بعد,,,

المقصود بالتوازن:

هو أن تُكَوّن شخصية الإنسان المسلم تَكَوُّنًا معتدلا, سليمًا, بحيث لا يطغى فيها جانب على حساب جانب آخر, ولا يغفل فيها جانب بسبب الاهتمام الزائد بجوانب أخرى غيره ... ومثله التوازن في بناء المجتمع بحيث يتكون المجتمع المسلم من مجموعة من الأفراد المتوازنين الذين يلبون جميع الاحتياجات التي يحتاج إليها المجتمع المسلم. وهناك حقيقة يكاد أن يتفق عليها الناس كلهم, وخلاصتها: أن الأفراد يختلفون فيما بينهم ويتفاوتون تفاوتًا:يقل, أو يكثر, لكنه لا يغيب .. بمعنى أنك لا تجد اثنين من الناس متماثلين في كل شيء,وهذا الأمر هو لحكمة أرادها الله تبارك وتعالى؛فإن المجتمع بحاجة إلى مجموعة من الكفاءات المتفاوتة, وأي مجتمع بحاجة إلى القادة, والزعماء, وبحاجة إلى الأطباء, والعلماء, والمهندسين, وإلى الخبراء في كافة مجالات الحياة, بل وبحاجة إلى الخدم و إلى غيرهم من أصحاب الحرف والمهن العادية بل والوضيعة في نظر الناس, وبمجموع هذه الأشياء يتكون المجتمع, وهذه الحقيقة يجب أن لا تغيب عنا ونحن نتحدث عن التوازن في حياة الفرد المسلم وفي حياة المجتمع المسلم.

مجتمع فريد:

وإذا كانت هذه الحقيقة مسلمة, فإننا نطل إطلالة سريعة على ذلك المجتمع الفريد الذي تربى على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم: مجتمع الصحابة رضى الله عنهم المجتمع الذي أراد الله أن يكون منارة مرتفعة على التاريخ يتطلع إليها الناس في كل زمان, ومكان.هذا النموذج المتمثل في مجتمع الصحابة لا نطمع أن يتحقق مرة أخرى بنفس المستوى الراقي من الإيمان والعلم والعمل, لكن نطمع أن يكون هذا المجتمع قدوة مثلى لكل مجتمع, ولكل فرد مسلم يدعو إلى الله على مدار التاريخ, ويمكن أن نكتشف بها الخطأ من الصواب في كل وضع يعيشه المسلمون لأنه كما قيل:'بضدها تتميز الأشياء'. وكذلك يجب أن نقيس على هذا المجتمع الفريد كل وضع, وكل مجتمع, فنعرف مدى استقامته, أو انحرافه, ونعرف مقدار هذا الانحراف بهذا القياس, وهذه القضية المهمة نطبقها في موضوعنا: التوازن في حياة الفرد وفي حياة المجتمع.

سمات ظاهرة في مجتمع الصحابة:

حين تنظر في مجتمع الصحابة نجد:

أولًا: كل فرد منهم متحقق بقدر من العمل سواء بالعبادة, أو الدعوة, أو غير ذلك, فلا تجد أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يغمط أو ينتقص بشيء من الإخلال بالواجبات الشرعية أو التقصير فيها إلا ما لابد من وقوعه من البشر من حوادث فردية معينة .

ثانيا: التزموا جميعا - كلهم بلا استثناء - بعقيدة واحدة صحيحة ناصعة نقية لم يأخذوها بالوراثة,ولا تجد أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقي على معتقد موروث من موروثات الجاهلية بل تمردوا عليها بالكلية وخلعوها على عتبة الإسلام وتلقوا العقيدة الصحيحة نقية صافية من فم محمد علية الصلاة والسلام, ولم يحصل أن وقع أحد منهم ببدعة اعتقادية, ولا ببدعة عملية على الإطلاق . إذًا قدر مشترك من العلم والعمل موجود لكل فرد من الأفراد في ذلك المجتمع الأول.

فإذا انتقلت إلى المجتمع بكليته وجدت أنه فيما عدا هذا القدر المشترك فإنه يوجد لكل واحد من أصحاب محمد صلى الله عيه وسلم ميزة, وخصيصة برز فيها هو وطائفة معه, وقد لا توجد في فرد أو أفراد آخرين:

فمعاذ بن جبل رضى الله عنه: [أمام العلماء يوم القيامة برتوة] كماورد عن النبي صلى الله عليه وسلم,وهو صحيح بمجموع طرقه، فكان معاذ فقيها من فقهاء الصحابة...

ومثله: عبد الله بن مسعود: فقد قال فيه عمر بن الخطاب: [ ابن مسعود كنيف ملئ علمًا ] فهذا معاذ, وابن مسعود, ومعهم غيرهم من الصحابة تميزوا بالعناية بالعلم, والاهتمام بالتفقه في الدين.

أما خالد بن الوليد: فلم يشتهر بحمل العلم والفقه بمثل ما اشتهر به معاذ, أو ابن مسعود, أو غيرهم من فقهاء الصحابة, وإنما أشتهر خالد بإتقان فنون الحرب, والفروسية, حتى أصبح يجد لذته, وسعادته, وقرة عينه في معاناة هذا اللون من الجهاد الذي يشق على كثير من النفوس ولذلك كان رضى الله عنه يقول: [ما ليلة تهدي إلي فيها عروس أنا لها محب, أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد أصبّح فيها العدو في سرية من المهاجرين] يجد من اللذة في هذا الجو الشديد البرودة المخيف مالايجده في ليلة تهدي إليه فيها عروس, أو يبشر فيها بغلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت