أ.د. ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لا شك أن قول الله _تعالى_:"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ..." [البقرة:120] . حق لا مرية فيه، ولعل تلك العداوة الدينية التي يكنها اليهود والنصارى للمسلمين من أهم العوامل التي تدفع لتشويه صورة الإسلام في الغرب، وإلاّ لو كان هناك عدل وإنصاف لم يؤاخذ الإسلام والمسلمين بأخطاء فردية وتجاوزات توجد في كل الأديان والشعوب مثلها بل أضعافها على مر التاريخ.
وأخطأ من ظن أن الإشكال مع الغرب جاء من جهة عدم تصورهم جميعًا للإسلام أو لنبيه _صلى الله عليه وسلم_، وقد شاعت في الحدث الأخير (الرسوم المتنقصة لنبينا _صلى الله عليه وسلم_) عبارة غير دقيقة اتخذت كشعار ونصها: (لو عرفوه لأحبوه) ، والله _تعالى_ يقول:"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [آل عمران:71] . ويقول _عز وجل_:"الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" [الأنعام:20] ، فكثير منهم يعرفون الكتاب ويكتمونه حسدًا وبغيًا، وكثير منهم يعلمون أن محمدًا هو رسول الله حقًا، ومع ذلك أبوا إلاّ أن يناصبوه العداء في الحاضر، كما ناصبه أسلافهم العداء في الماضي، وهم يعلمون، ولهذا أثنى الله على من خالف هواه منهم، وانصاع للحق الذي عرف، فقال _سبحانه_:"الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الأعراف:157] .
وفي قصة إسلام عبدالله بن سلام الحبر البحر _رضي الله عنه_ في صحيح البخاري وغيره أن عبد الله بن سلام جاء رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم، وابن سيدهم، وأعلمهم، وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في.
فأرسل إليهم نبي الله _صلى الله عليه وسلم_، فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله! فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق فأسلموا".
قالوا: ما نعلمه.
قال النبي _صلى الله عليه وسلم_:"فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام"؟
قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا.
قال:"أفرأيتم إن أسلم"؟
قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.
قال:"أفرأيتم إن أسلم"؟
قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.
قال:"أفرأيتم إن أسلم"؟
قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.
قال:"يا ابن سلام! اخرج عليهم".
فخرج، فقال: يا معشر اليهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق فقالوا: كذبت فأخرجهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
وهكذا النصارى ليسوا بمنأى عن نهج هؤلاء.
وقد ثبت عند البخاري وغيره أيضًا حديث أبي سفيان في كتاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ لعظيم النصارى، هرقل الروم، وخبر أبي سفيان معه، وفيه قول:"فقال [يعني هرقل] للترجمان قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها."
وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله.
وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه. وهم أتباع الرسل .
وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.