فهرس الكتاب

الصفحة 9500 من 27345

الداعية بين الابتلاء والتمحيص والفتنة

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

الداعية المسلم حامل رسالة الله إلى الناس كافة، حامل أشرف رسالة، يقوم بأكرم مهمة، ويمضي على أعز نهج، على صراط مستقيم مشرق بالحق، جلي الدرب قوي الثقة بالله، وحسبه شرفًا أنه يقوم بتكليف من الله سبحانه وتعالى، تكليف لكل مسلم قادر، لا يعذر إلا من عذره الله، وحسبه كذلك أنه يحمل دعوة ورسالة هي حاجة كل إنسان، وهي حاجة البشرية كلها على مدى العصور والأجيال. إنها دعوة الناس إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد، دعوة وبلاغ وبناء، وتعهُّدٌ وتدريب وإِعداد.

والداعية أول ما يدعو نفسه، من خلال التذكير المستمر، والمحاسبة الدائمة، ومجاهدة النفس حتى تستقيم على أمر الله. والشعائر والدعاء وتلاوة كتاب الله وتدارس منهاج الله وتدبره، ثم الدعوة إلى الله ورسوله، دعوة الناس وتعهدهم حتى يستقيموا على أمر الله وينجوا من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة. هذه كلها تكاليف ربانية.

وحين يبلِّغ الداعية رسالة ربه إلى الناس استجابة لأمر الله، ووفاءً بالأمانة التي يحملها، والخلافة التي جُعِلَتْ له، والعبادة التي أُمِرَ بها، فإن عليه أن يتعهد من يدعوه كما أمر الله. والدعوة والتعهد رفقة ومصاحبة ولقاء. إنها مدرسة تقوم على منهاج الله، تنطلق من مدرسة النبوة الخاتمة، لتظل ممتدة مع الدهر كله. إنها دعوة وبلاغ، وتعهد وبناء، وتدريب على الممارسة الإيمانية وإِعداد، حتى تتدافع أجيال الإيمان تملأ العصور لتنقذ الناس وتخرجهم من الظلمات إلى النور، إلى مسيرة على الصراط المستقيم ممتد إلى الهدف الأكبر والأسمى لكل مؤمن صادق ـ الجنة والدار الأخرة ورضوان الله ـ على صراط مستقيم يجمع المؤمنين.

الدعوة إذن: بلاغ وتذكير، ومصاحبة ولقاء، وتربية وتعهد وبناء، وأهداف ربانية، تكليف من الله سبحانه وتعالى، مضت بها سنة النبوة الخاتمة ومدرستها الخالدة، وسيرة الصحابة والأئمة الأعلام.

وقضت سنة الله سبحانه وتعالى أن تكون الدنيا دار ابتلاء وتمحيص للناس بعامة وللمؤمنين بخاصة.

وأن يكون المؤمن أشد بلوى، والمؤمن الداعية الصادق اشد ابتلاءً وتمحيصًا، حتى يظل الصف المؤمن نقيًا من المنافقين والضعفاء، وحتى يحمي الله المؤمنين من الفتنة وأبوابها، وحتى ترتفع درجة المؤمن بذلك عند ربه.

( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كُنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين )

[ العنكبوت: 10 ]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ? قال:"مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل الكافر كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد"

[ رواه الشيخان والترمذي ]

وعن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنهما قال:"قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح يشتد البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وماله خطيئة"

[ رواه أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم ] (1)

والآيات والأحاديث كثيرة حول ذلك، لتؤكد وتذكر وتوقظ القلوب، حتى تعي قلوب المؤمنين ما هم مقبلون عليه.

ولا يزال الابتلاء يمضي ويشتد، ليكون من حكمته تمحيص المؤمنين، وكشف ما في صدور العالمين، حتى يكون ذلك حجة لهم أو عليهم يوم القيامة:

( إِن يمسسكم قَرحٌ فقد مَس القوم قَرْحٌ مثله وتلك الأيام نُداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شُهداء والله لا يُحبُّ الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين )

[ آل عمران: 141،140 ]

إنه الابتلاء والتمحيص الذي يمضي على سنن لله ثابتة، وقضاء نافذ، وقدر غالب، وحكمة بالغة. فما كان الله ليذر المؤمنين على ما هم عليه، حتى يميز الخبيث من الطيب، والقوي من الضعيف، وحتى يعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين:

( آلم. أحسب الناس أن يتركوا أَن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. )

[ العنكبوت: 1-3 ]

حكمة لله بالغة ! حتى يرى الناس يوم القيامة أن الحقّ لله، وأن كل إنسان يُعرض عليه كتابه فيقرؤه بنفسه:

( اقرأْ كِتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا )

[ الإسراء: 14 ]

هناك مصير الإنسان، إما إلى جنة وإما إلى نار. ولا يغادر الإنسان الحياة الدنيا إلا وقد قامت الحجة له أو عليه. فالدار الآخرة هي الهدف الأكبر والأسمى للمؤمن، ولا يبلغ الإنسان الجنة إلا إذا صدق إيمانه وعمله وبذله في الحياة الدنيا، وجهاده وصبره على الابتلاء، ومضيُّه على الصراط المستقيم:

( أم حسِبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين )

[ آل عمران: 142 ]

وكذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت