فهرس الكتاب

الصفحة 13507 من 27345

الجمعة 1 صفر 1397 / 21 كانون الثاني 1977

الحلقة ( 1 ـ 5 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله من الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

السور القصيرة التي تحدثنا عنها في الماضي تعد واحدًا وعشرين سورة ، ونحن الآن نواجه السورة الثانية والعشرين في سياق التنزيل وهي سورة النجم ، وتعرفون مطالع سورة النجم ، وهي تبدأ ( والنجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مِرّةٍ فاستوى ، وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنى فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، ما كذب الفؤاد ما رأى ، أفتمارونه على ما يرى ، ولقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ، عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، ما زاغ البصر وما طغى ، لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) هذا المقطع الذي تفتتح به السورة هو يشكل المشكلة الضخمة في وجهنا ونحن ندرس هذه السورة ، واضح من سماعي هذا الكلام الإلهي أن هذا المقطع من السورة يشير إلى واقعة من وقائع السيرة المشهورة وهي الإسراء والمعراج ، نحن حددنا لأنفسنا مدى زمنيًا ينتهي في السنة الخامسة من المبعث ، وقلنا إن الآية التي تحمل الأمر بالبلاغ العام تنتهي هذه السنة ، ونحن الآن في السورة الثاني والعشرين أي بيننا وبين نهاية المرحلة وفاقًا لترتيب سور القرآن تسع وعشرون سورة ، فمتى كانت حادثة الإسراء والمعراج ؟

حسب الترتيب المتعارف عليه بين كتّاب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم نُبّئ على رأس الأربعين من عمره الشريف صلى الله عليه وسلم ، وأنه في رأي المكثرين ظل يدعو سرًا من يثق به من قومه ثلاث سنين ، ثم أُمر بالبلاغ ، ونحن أضفنا من عندنا سنتين إكرامًا لخاطر أولئك الذين يتصورون سرية الدعوة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على نمط سرية الأحزاب المعروفة اليوم والمحظورة والممنوعة والتي تعتبر خارجة على القانون ، إكرامًا لهؤلاء أضفنا من عندنا سنتين رجاء أن ننظر في مضامين القرآن النازلة في هذه الفترة كلها لنرى نصيب السرية من الدعوة الإسلامية في هذه الفترة ، وبعد مرور سنتين على آخر مدى وضعه أكثر كتّاب السيرة إسرافًا في تصور السرية ، فحادثة الإسراء والمعراج هل وقعت ضمن هذه المدة ؟ لا ، كما قلنا ظل النبي يدعو من يثق به وجاءه أمر الله بأن ينذر عشيرته الأقربين فجمعهم عنده وأنذرهم وأبلغهم أنه رسول من الله جل وعلا إليهم خاصة وإلى الناس عامة ، وأبان لهم مكانتهم في نفسه وشدة حرصه على سعادتهم وقال لهم: والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم . فالإنسان لا يتآمر على أهله وقومه وعشيرته ولا سيما في المنظور الجاهلي ، القبيلة هي محور الوجود الإنساني كله ، والفرد من القبيلة لا يرى لنفسه وجودًا خارج نطاق القبيلة . لكن معظم قومه ردوه كما ردته سائر قريش ، ثم أُمر بالبلاغ فبلّغ ، ثم ما كان من البلاء والإيذاء والفتنة ..

وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفف عن المسلمين بعض الذي يرونه من عنت قريش فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة إلى أرض النجاشي فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة ضمّت عددًا من رجال المسلمين وعددًا قليلًا من النساء المسلمات . كان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة .

وظل النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على أمر الله ، شديد الإنفاذ لما يريده الله تعالى منه ، يتردد على مجالس قريش وأنديتها ويلتقي بالقبائل القريبة من مكة ، ويلقى منهم مثل ما يلقى من قريش . ثم كان تآمر قريش ليس على شخص النبي صلى الله عليه وسلم فحسب وليس على الذين آمنوا فحسب وإنما على بني هاشم وبني عبد المطلب جميعًا .

فقررت قريش مقاطعة بني عبد المطلب أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم على سواء ، وكان حصار الشعب الذي استمر ثلاث سنين أو أقل قليلًا . ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الشعب ، كان الوقت يقارب السنة التاسعة أو يزيد من البعثة ، ثم خرج إلى الطائف ولقي في الطائف أشد مما لقي في مكة ، يروى أن أهل الطائف حين جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وقفوا له في الطريق صفين ، فكان كلما نقل قدمًا وهو يمشي كانت تأتيه الحجارة حتى أخذ الدم ينزف من قدميه صلى الله عليه وسلم ، ولما رأى ما رأى من هذا الاستقبال الشنيع رجا أشراف ثقيف قائلًا: ما دمتم فعلتم ما فعلتم فأنا أرجو أن تكتموا هذا اللقاء عن قريش ، كي لا تزداد عداءً له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت