فهرس الكتاب

الصفحة 8737 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

دأبت أمريكا منذ سنين في أن تلحَّ برغبتها تصدير ما تسميه"الديمقراطية"إلى شعوب العالم كله , تحت شعار أن الديمقراطية تهب الحرية للشعوب والخير للبشرية ، وأنها هي وحدها تقدّم هذا الخير . ونهض كُتَّاب من الغرب ومن الشرق يدافعون عن ذلك بشتى أنواع الزخارف ، وسقط في حمأة الديمقراطية وضلال زخارفها الكثيرون من المسلمين , حتى أصبح بعضهم داعية لها لا للإسلام . وجاء كتاب"نهاية التاريخ والرجل الأخير""لفرانسيس فوكوياما"يحاول إِبراز هذا الادعاء ويجعل الديمقراطية الأمريكية بالذات نهاية مطاف الإنسان ، ليبلغ بها فردوسه الدنيوية . وقبل ذلك جعل"ماركس"وجماعته من"الشيوعية"المرحلة الأخيرة في التطور البشري ليصل بها الإنسان إلى فردوس الدنيا . وفي هاتين الفلسفتين ، فلسفة الديمقراطية وفلسفة الشيوعية , وكذلك في الفلسفة العلمانية , لا يوجد عندهم آخرة ولا فردوس في الآخرة ، فلا اعتبار للدار الآخرة فيها .

ويقول فوكوياما:"إن الإسلام"يحمل من المبادئ ما يمكن أن يقف في وجه الديمقراطية ، إلا أنه لا خوف من ذلك لأن المسلمين بينهم من العداء ما يذهب بخطرهم". نعم ! إن واقع المسلمين اليوم يشير إلى ذلك ، ولكن نسي"فوكوياما"أن المستقبل بيد الله ، والغيب لله وحده ، فهو وأمثاله لم يقيموا لله وقضائه وقدره التفاتًا ، نسوه حتى يفاجئهم الله بقدره الغالب وحكمته البالغة . ولا بد أن يلتقي المؤمنون الصادقون صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص ."

لحكمة يريدها الله أعطى الغرب ، وأمريكا بخاصة ، قوة علميّة وصناعية وسلاحًا فتاكًا . وإن هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى ، ليرى الله ما يفعل هؤلاء بنعمة الله عليهم ، ولتقوم الحجة عليهم يوم القيامة أو تقوم لهم إن أحسنوا ولم يعتدوا ولم يظلموا . ومن ناحية أخرى تمضي سنة الله في الحياة الدنيا ليجني الناس ، كلُّ الناس ما كسبته أيديهم أو ما اكتسبته , وليرى الله ما يفعل المسلمون , لتقوم الحجة لهم أو عليهم .

الديمقراطية التي يلحُّ بها الغرب وأمريكا بخاصة انطلقت منذ عهد بعيد من الوثنية اليونانية ، لتقرر أن الحكم للشعب ، والشعب وحده هو الذي يبيّن الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والصواب والخطأ ، ولا سلطان أبدًا فوق سلطان الشعب. هذا هو مفهوم اليمقراطية, وهذه هي قاعدتها الأساسية. وسرت هذه الوثنية في أوروبا شِرْكًا بالله سبحانه وتعالى مع سائر أفكار اليونان ومذاهبهم ، حتى صاغها أهلها اليوم نظامًا يُقدِّم للشعوب الفتات ، ويملأ جيوب المجرمين من حصاد تعب الشعوب ، وليقدِّم كذلك الخدر اللازم من خلال الزخارف الكاذبة ، والفتنة الهائجة ، والشهوات الثائرة من جنس وخمر ، وليطلقوا المرأة عارية تنفث لهيب الشهوة خدرًا قاتلًا . فتسكن النفوس إلى حرّيّة فرديّة متفلّتة في ميدان الإباحة والشذوذ والخمور والخدر ، وأما في ميدان الكلمة فالحرية مكفولة في نطاق الكتابة والمظاهرات"المؤدَّبة"، دون أن يكون لهذه أو تلك أثر في اتخاذ القرار . فالقرار يؤخذ في عتمات الكواليس وظلام الهيئات ليصدر في لحظة مفاجئة ، يحمل معه قوة التنفيذ والإكراه ، ويستغلُّ الشعب المخدَّر عند الحاجة إليه.

وجاءت الأحداث الأخيرة لتنزع آخر"ورقة توت"عن عورات الديمقراطية, حين أصرت أمريكا على الهجوم على العراق , وحشدت أعتى الأسلحة والبوارج والطائرات والصواريخ ومئات الألوف من الجنود , وانضمت إليها إنكلترا وأستراليا وإسبانيا وغيرها بحدود خمس وأربعين دولة من دول الإجرام المعلن , ثمَّ خرجت الملايين من الشعوب في جميع عواصم العالم رافضة الحرب على العراق ، وخرجت الملايين في أمريكا نفسها لتعبّر عن رأي النسبة الأعلى لدى الشعب الأمريكي , وفي إنكلترا تخرج الملايين تعبر عن رأي الشعب ، واستقال مسؤولون هنا وهناك احتجاجًا على سياسة الحرب ، وضجَّ العالم كله مقالاتٍ ومظاهراتٍ واحتجاجاتٍ , وألقى الرئيس الأمريكي ، رئيس الديمقراطية ، بكل ذلك عرض الحائط وأعلن هو وزمرته الإصرار على الحرب ! أين الديمقراطية ؟! وأين حق الشعوب ؟! وأين الحرّية ؟!

يا شعبُ باسمك كم تُدار محاكم والشعب لا يدري ولا هو يحكم

سقطت الديمقراطية في وحول الأهواء ، وتناثرت مع عواصف الطغيان ، وانكشفت سوءاتها ، ووقف الناس حائرين ، لا يدرون ما يفعلون: مجلس الأمن ، هيئة الأمم المتحدة، الدول الكبرى والصغرى ، ودول عدم الانحياز ، كأنهم شُلُّوا أمام دكتاتورية الآلة العسكرية الأمريكية ، آلة سلاح التدمير الشامل الذي ابتُليتْ به أمريكا , لتُكْشَفَ النفوس والأفكار والمبادئ ، ولتُعرَّى الحقائق جليّة دون تزييف ولا ستار . وقفت فرنسا وألمانيا وروسيا والصين وغيرهم ضد الحرب بإصرار ، ولكن ذلك لم يُجْدِ ، ومضت أمريكا في استهتارها بالعالم كله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت