وسرعان ما أخذت مواقف هؤلاء تتبدَّل بعد بدء الحرب بأيام , في صورة مخزية كشفت أن الخلاف بينهم ليس خلاف مبادىء وقيم , وإنما هوهو خلاف على مطامع , وعلى أُسلوب الفتك بالضحية , وعلى اقتسام الغنائم من فريسة خطَّطوا كلُّهم للإيقاع بها في شَرَكِهم .
إِن الذي يجري اليوم آية من آيات الله ، ودروس وعبر ممتدة مع كل لحظة وكل موقف وكل كلمة من فرد أو شعب أو دولة . كلهم محاسَبون بين يدي الله ، وكلهم مسؤولون ، وكلهم تقوم عليهم الحجة أو لهم على موازين قسط يضعها الله يوم القيامة ، على قدر ما يحملون من مسؤوليّة ، وعلى قدر ما يرفعون من شعارات .
ولا يقف الحساب والبلاء عند يوم القيامة فحسب ، وإنما هو ابتلاء وعقاب أدنى في الحياة الدنيا على قضاء ربّاني حق , وعقاب أكبر يوم القيامة على موازين قسط يضعها الله سبحانه ونعالى:
( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون )
[السجدة:21 ]
لقد سقطت الشعارات وبانت السوءات .
الشعارات كلها سقطت في الـ أرض ! أهوت مزاعم ووعود
ومن الآيات البينات أن أمريكا ليست وحدها المسؤولة عن الفتنة التي تجري اليوم . إن ما يجري اليوم نتيجة طبيعية لمرحلة سابقة أدت إلى هذه النتائج ، وتلك المرحلة السابقة نتيجة لمرحلة أخرى سابقة لها ، لتتوالى الأحداث كلها على سنن ربانيّة ثابتة:
( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا )
[ الأحزاب: 62 ]
إنّ تواطؤ الظالمين في الأرض زمنًا طويلًا على الفتنة والفساد وقهر الشعوب ونهب خيراتها وثرواتها ، وصمت المستضعفين أو ممالأة المستكبرين ، كان له دور كبير فيما آلت إليه أوضاع العالم اليوم والأحداث الأخيرة التي تفجرّت حول العراق:
( وبرزوا لله جميعًا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص )
[ إبراهيم: 21 ]
طلبت أمريكا أولًا خروج صدام حسين من الكويت في حرب الخليج الثانية سنة 1990م ، وادعت أن هذا هو المسوغ الوحيد للحرب التي أعلنتها ، وأخفت سائر الأسباب الجوهرية . وخرجت العراق من الكويت ، وتجدّدت بعد ذلك طلبات ثم طلبات ، واستقرّ الأمر على طلب إزالة أسلحة الدمار الشامل ، ودخل المفتشون فأزالوا وأزالوا ما شاؤوا من الأسلحة ، وأخذت الأمور تتعقَّد ، وأخذ عمل المفتشين يتحول إلى أعمال الجاسوسيّة لحساب أمريكا وإسرائيل وإلى نشر الفتن والفساد .
ولما كُشف الأمر انسحبوا بصورة مفاجئة بين أحقاد سوداء تفجرت من رئيسهم ومن بعض أعضائهم . فتشوا المنازل والقصور وغرف النوم والمصانع والساحات .
ثم تجدَّدت المشكلة ، وانحصر الطلب أولًا في أن يقبل الرئيس العراقي بعودة المفتشين . وواضح أن أمريكا كانت تود ألاَّ يقبل العراق بعودتهم ، لتتخذ من ذلك ذريعة لحرب ظالمة مبيّتة في نفسها . فقبل العراق وبدأ المفتشون عملهم ، وتعاون العراق تعاونًا كبيرًا ، وجاءت تقارير المفتشين في صالح العراق . فأُسقط في يد أمريكا ، وأخذت تدّعي أن المفتشين لا يستطيعون أن يزيلوا أسلحة الدمار الشامل التي يخفيها العراق ، وأنه لا بد من الحرب . واختلف مجلس الأمن وأعضاؤه حول ذلك ، أمريكا وإنكلترا دعاة الحرب ، وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين دعاة الحل السلمي الذي تتبنّاه شعوب الأرض كلها ، ودول كثيرة ! ولكنهم كلُّهم لن يختلفوا ساعة وقوع الضحيَّة واقتسام الغنائم أو قبل ذلك ! فهل هناك إجرام أبعد من هذا الإجرام , وفساد في الأرض أشد من هذا الفساد ؟! وانكشاف للمجرمين أكثر من هذا الانكشاف ؟!
فموقف الدول التي تتبنى الحل السلمي والدبلوماسي لم يكن مبنيًَّا على حب في العراق ومصلحته ومصلحة المسلمين . إن الخلاف بين الفريقين خلاف حول المغانم واقتسامها , حتى لا تنفرد بها جهة واحدة . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فعن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟قال: بل أنتم يومئذ كثير.ولكنكم غثاء كغثاء السيل .ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم , وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن ."فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن ؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية الموت ."
[رواه أبو داود ]
إنها المصالح الدنيوية المتصارعة , مصالح المجرمين في الأرض , يلتقون على اقتسام الغنائم ويتنازعون عليها . اختفت القيم والمبادىء , وأصبحت شعارات يتاجرون بها , وأصبحوا جميعهم وحوشًا مفترسة جشعة نهمة .