النهي عن البدع ومحدثات الأمورعلي حسين الفيلكاوي ...
الحمد لله الذي أرسل رسوله محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين بشيرًا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن الله -جل وعلا- أمرنا في كتابه الكريم باتباع النبي الصادق الأمين، نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، وذلك بقوله سبحانه:"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" (الحشر/7) .
وقال تعالى:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" (آل عمران/31) .
والآيات التي تحثنا على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، فلذلك كان واجبًا على المسلمين أن يتبعوا هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا يبتدعوا في دين الله ما ليس منه.
والبدع في اللغة: هي الأشياء التي يبتدعها الإنسان.
وأما في الشرع: فهي كل من تعبَّد لله سبحانه وتعالى بغير ما شرع عقيدة أو قولًا أو فعلًا.
وعرف بعض أهل العلم البدعة على أنها كل شئ كان سببه موجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأت به النبي صلى الله عليه وسلم فهو بدعة.
وخطر البدعة عظيم حتى قال فيها ابن القيم -رحمه الله-:"تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال، فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفجأهم إلا وأولاد الزنا يعثون في بلاد الإسلام، تضج منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى"
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولَّد بينهما خسران الدنيا والآخرة"
ولا شك أن الإنسان المسلم إن اتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسار على نهجهم كان من الفائزين، وإن خالفهم وابتعد عن طريقهم كان من الخاسرين.
فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (متفق عليه) .
وهذا الحديث يعني أنه من أحدث في شرع الله وفي دين الله ما ليس منه فهو مردود على صاحبه غير مقبول منه.
والأعمال إما ظاهرة أو باطنة، فالأعمال الظاهرة ميزانها حديث عائشة هذا"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، والأعمال الباطنة ميزانها حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (متفق عليه) .
فلو علم المسلمون معنى هذين الحديثين والتزموا بهما لاستقام حال الأمة الإسلامية، ولما ظهر فيها البدع
وعند مسلم عن جابر رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول:"صَبَّحَكُم ومسَّاكم"ويقول:"بُعثت أنا والساعة كهاتين"ويقرن بين أصبعيه، السبابة والوسطى، ويقول:"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
ويعني بقوله عليه الصلاة والسلام"بعثت أنا والساعة كهاتين": أي أن أجل الدنيا قريب وأنه ليس ببعيد، فلذلك ينبغي على المسلم أن ينتبه ويحذر، فيجتنب البدع ويجتنب الذنوب كبيرها وصغيرها، وأن يجاهد نفسه على ترك المعاصي والالتزام بشرع الله.
والبدعة من أخطر الوسائل التي يستخدمها الشيطان في استدراج الإنسان، ولذلك احتجز الله التوبة عن صاحبها، فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة" (رواه ابن أبى عاصم في السنة والطبراني وذكره الألباني في الصحيحة رقم(1620) وقال: حسن).
ولا شك أن الإنسان المبتدع يقع في محاذير كثيرة:
أولًا: أن ما ابتدعه فهو ضلالة بنص القرآن والسنة، وذلك أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو الحق، وقد قال الله تعالى:"فماذا بعد الحق إلا الضلال" (يونس/32) ، هذا دليل القرآن، ودليل السنة قوله صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة" (رواه مسلم) ، ومن هذا الحديث يتبين أن البدع كلها ضلالة، وأن ليس هناك بدعة حسنة.
ثانيًا: أن في البدعة خروجًا عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" (آل عمران/31) ، فمن ابتدع بدعة يتعبَّد لله بها فقد خرج عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرعها، فيكون خارجًا عن شرعة الله فيما ابتدعه.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يُحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا كما قال الشاطبي -رحمه الله- في كتابه (الاعتصام) لا مخالف عليه من أهل السنه، بل وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي وأبوا داود وأحمد وابن ماجة بإسناد صحيح عن العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله: إن هذه موعظة مودِّع، فما تعهد إلينا؟