د. عبدالحكيم الفيتوري 13/8/1424
الإسلام يختلف عن باقي الأديان في أنّه دين ينفذ إلى كافة شؤون الحياة ويتدخل في جميع قضايا الإنسان صغيرها وكبيرها.. فهو ليس كاليهودية والمسيحية مجرد علاقة ثنائية بين العبد والربّ تتبلور على شكل طقوس وعبادات وشعائر دينية لا غير، بل هو نظام إلهي للحياة بجميع صورها وأشكالها يراد من خلاله تحقيق العدالة وفق النظرة الإلهية. وقد اعترف الكثيرون من مفكري الغرب الموضوعيين بهذه الحقيقة، وأعربوا عن قدرة الإسلام على حلّ المشاكل الاجتماعية وتوفير حياة صحيحة لا مجال فيها لغمط الحقوق وانتهاكها. كما أقروا أيضًا بحيوية القوانين الإسلامية واتسامها بالتلاؤم مع عملية التطور الزمني.
يقول الكاتب الانجليزي المعروف برناردشو:"إنّني أكنُّ الاحترام دائمًا للدين الّذي جاء به محمّد، لما يمتلكه هذا الدّين من ديمومة وخلود عجيب ، وبرأيي أن الإسلام هو الدّين الوحيد الّذي يتميز بالاستعداد للانسجام مع مختلف حالات الحياة وصورها المتغيرة والتحكم فيها...، وأتوقع أن أوروبا ستعتنق غدًا إسلام محمّد، وقد ظهرت آثار ذلك منذ الآن...، فبدافع من الجهل أو التعصب رسم رجال الدّين في القرون الوسطى صورًا مظلمة عن دين محمّد (صلى الله عليه وسلم) فصوروه ـ بدافع من الحقد والعصبية ـ أنّه ضد المسيحية ، غير أنّني بحثت حول هذا الرجل ـ الرجل الفريد ـ وتوصلت إلى أنّه لم يكن ضدّ المسيح في يوم ما، بل ويجب أن ندعوه منقذ البشرية أيضًا."
وبرأيي لو ملك رجل مثله العالم الجديد؛ فإنّه سيوفق إلى حل القضايا والمشاكل العالمية بالشكل الّذي يعمل على استتباب السلام والسعادة اللّذين تطمح إليهما البشرية"."
فالإسلام دين ينسجم مع مقتضيات الزمان والمكان والانسان، ويتّسع التطور في الأوضاع والحاجات ليواجهها بمفاهيمه الواقعية وتشريعاته المرنة، ولكنه غير مجبر في النهاية على ملاحقة أية عملية تغير تحدث هنا وهناك واستيعاب تلك العملية والانسجام معها!.
لأن هناك من يعتقد أنّه مادامت وسائل الحياة وأدواتها تتغير يومًا بعد آخر، فيجب أن تكون كافة التغييرات الّتي تطرأ على حياة الإنسان نوعًا من التطوّر والرقي، ولا بدّ أن تشق طريقها إلى الحياة الاجتماعية شئنًا أم أبينا!.
فأولئك الّذين يتحدثون عن التغيرات والتحولات الزمنية ووجوب الانقياد لكل تغير وتحول دون تروٍّ وتفحص، فهم يلغون في الحقيقة دور الإنسان الفاعل، ويجعلون منه مجرد فارس أبله قد وضع نفسه بين يدي جواد جموح قد يلقي به من على ظهره في هوة عميقة!.
وإزاء هذا التقويم بنوعيه الإيجابي والسلبي يبرز موقفان متعارضان ولكنهما غير سليمين؛ فالموقف الأول: مرضى التحجر، والموقف الثاني: مرضى الجهل ، فينجم عن الموقف الأول: التوقف والتخلف ، وعن الثاني: الانحراف والسقوط !.
فالمتحجر عادة لا يستقبل أي شيء جديد ويشعر بالنفور تجاه أية حالة جديدة مهما كانت دون أن يحاول دراسة تلك الحالة وتمحيصها، ومن ثمّ اتّخاذ الموقف المناسب تجاهها!!
أما الجاهل فيحاول أن يعزو كلّ ظاهرة جديدة إلى الرقي والتطور، ويفسّرها على أنّها ضرورة من ضرورات الزّمن وطفرة زمنية لابدّ منها باتجاه المستقبل!.
وبعبارة أخرى"إنّ المتحجر يطلق على كلّ جديد فسادًا وانحرافًا، والجاهل يعتبره جزءًا من عملية التطور والتقدم!."
وأمام هذين الموقفين المتطرفين من العملية التغييرية يقف الفكر الإسلامي موقفًا آخر يتّسم بالعقلانية والرؤية النابعة من الشعور بالمسؤولية ، فهو يعارض التحجر ويرفض الجهل، بل يعتبر الاثنين معًا جزءًا من الأخطار الّتي تتهدده وتعترض سبيله!.
فالإسلام ينظر إلى كلّ حالة جديدة بعين التفحص والتحقيق ، ويعرض تلك الحالة على ثوابته؛ فيأخذ ما توافق معها ويرفض ما اختلف معها. فهو لا يرفض كلّ جديد، ولا يأخذ أيضًا بكل جديد، بل يرفض ما تعارض مع قواعده وكلياته ويستقبل ما اتّفق منها مع تلك القواعد والكليات.
حيوية الفكر الإسلامي
الفكر الإسلامي فكر رصين متين يستمد قوته من القوة المطلقة، ويحمل معه قابلية التأثير السريع على العقول والقلوب بمجرد أن يلامسها، وهذه خصوصية أخرى ينفرد بها هذا الفكر ويتميز بها على كافة الأفكار الأخرى، وسجّلها التاريخ له بأحرف من نور ، بل يكاد المؤرخون يجمعون على أن ما تركه الاحتلال الروماني الّذي احتل البلاد نحو ستة قرون لم يصمد للفتح الإسلامي، وأنّ اللاّتينية الّتي بدا أنّها سادت الشمال الأفريقي زمانًا، صفيت في القرن الهجري الأول ، وكذلك قبائل الأمازيغ التي عصت في أول أمرها؛ أصبحت بعد برهة من الزمان حامية حمى الدين والدعوة في شمال أفريقيا والأندلس وجنوب فرنسا!.