فهرس الكتاب

الصفحة 26179 من 27345

واجب المسلمين لإنقاذ الأسرى و فكاك المعتقلين

من سجون الصليبيين

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلا وَ أَنْتُمْ مسلمون } [ آل عمران: 102 ] .

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [ النساء: 1 ] .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيْداً - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [ الأحزاب: 70 - 71 ] .

أما بعد ...

فمع توالي الأحداث و تكالب الأمم على أهل الإسلام ، تعرّضت الأمّة الإسلامية لأكثَر من نكبة ، و ألمَّت بها مصائب جسام ؛ من أفظعِها وقوع المئات من المسلمين في الأسر ، و الزج بهم خلف قضبان الحديد في معتقلات لا ترعى حقوقاً و لا تُراعي حُرَماً .

و لا شك في أن معاناة المسلمين اليوم أمر جلل لم يسبق له مثيل عبر تاريخهم الطويل ، حيث تداعت عليهم الأمم متكالبة ، و نابذتهم العداء متحالفة ، و تجمهَر في الحملة الهوجاء عليهم أهلُ الأرض قاطبةً من يهود و صليبيين و وثنيين و ملاحدة ، فضلاً عمن والاهم أو وافقهم ؛ باستعلاء أو على استحياء ؛ من حكام العَرَب و المسلمين .

و من أشنع ما أسفَرت عنه الحرب الضروس المعاصرة ضد الإسلام و أهله تمكين الأعداء الحاقدين من رقاب الأولياء الصالحين ، حتى باتوا يعملون فيهم القتل و التنكيل ، و الأسرَ و التكبيل ، و ينقلون المئات منهم من ديار المسلمين إلى المعتقلات و الزنازين ، على مرأى و مسمَع الحكام و الزعماء ، فضلاً عن السوقة و المستضعفين ، دون أن يُحرك ذلك ساكناً ، أو يَرفَعَ همةً لفكاك الأسرى المستضعفين ، أو استنقاذ المعتقلين المضطهدين .

مع أن القيام بذلك واجب متعين - على الكفاية في أقل الأحوال - على من جعلهم الله { خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } كل بحَسب طاقته و قُدرَته ، حسب ما دلت عليه عمومات النصوص الشرعية المؤكدة على حق المسلم على المسلم ، و منها وجوب نصرته ، و تحريم خذلانه و إسلامه لعدوه ، أو التخلي عنه ، كقوله تعالى: { وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } [ الأنفال: 72 ] ، و ما ثبت في صحيح مسلم و عند أصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يحقره ) .

و قال الإمام النووي [ في شرح صحيح مسلم: 16 / 120 ] : قال العلماء: الخذل ترك الإعانة و النصر ، و معناه: إذا استعان به في دفع ظالم و نحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ، و لم يكن له عذر شرعي ، و ( لا يحقره ) أي: لا يحتقره ؛ فلا يُنكِر عليه ، و لا يستصغره و يستقله .اهـ .

و قد فهم الأئمة النقاد من هذا الخبر الصحيح الثابت أن على المسلم وجوباً أن يهبَّ لنصرة أخيه المسلم ، و لو تجوَّز في سبيل ذلك بارتكاب مالا يحل إلا للضرورة .

قال الإمام البخاري في صحيحه [ 6 / 2594 ] : ( باب يمين الرجل لصاحبه إنه يتحقق إذا خاف عليه القتل أو نحوه ، و كذلك كل مكره يخاف ؛ فإنه يَذُبُّ عنه الظالم ، و يقاتل دونه و لا يخذله ، فإن قاتل دون المظلوم فلا قِوَدَ عليه و لا قصاص .

و إن قيل له: لتشربنَّ الخمر ، أو لتأكلنَّ الميتة ، أو لتبيعنَّ عبدك ، أو تقرُّ بدَين ، أو تهب هبة ، أو تحلُّ عقدة ، أو لنقتلنَّ أباك أو أخاك في الإسلام ، و ما أشبه ذلك ؛ وسعه ذلك ، لقول النبي: ( المسلم أخو المسلم ) .اهـ .

و قال شارح الصحيح الحافظ ابن حجر [ في فتح الباري 12 / 324 ] بعد أن ذكر طائفة من أقوال العلماء و خلافهم في مسألة الإكراه بتهديد الغير: ( و المتجه قول بن بطال أن القادر على تخليص المظلوم توجه عليه دفع الظلم بكل ما يمكنه فإذا دافع عنه لا يقصد قتل الظالم و إنما يقصد دفعه فلو أتى الدفع على الظالم كان دمه هدراً و حينئذ لا فرق بين دفعه عن نفسه أو عن غيره ) .

و روى أبو داود من حديث جابر و أبي طلحة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من امرئ مسلم يخذل امرَءاً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته ، و ينتقص فيه من عرضه ؛ إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته ، و ما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه ، و تنتهك فيه حرمته ؛ إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت