بسام البليبل
من كليرمونت الفرنسية إلى كوبنهاغن الدانماركية.
عرفت العلاقات بين الغرب والمسلمين صراعًا عنيفًا امتد قرونًا طويلة، بدءاًَ بالحروب الصليبية وسقوط الأندلس، ومرورًا بالاستعمار الحديث للعالم العربي والإسلامي، وأخيرًا بزرع الكيان الصهيوني العنصري في ربوع أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، واستمرارًا في إذكاء روح التعصب والعنصرية بالتهجم على قيم العالم العربي والإسلامي وحضارته ومقدساته التي زادت في السنوات الأخيرة ولا سيما بعد انتهاء الحرب الباردة لتأخذ شكلًا جديدًا من التعصب المنهجي المنظم.
فمن مدينة كليرمونت الفرنسية وفي أواخر القرن الحادي عشر أطلق البابا أوربان الثاني الفرنسي الأصل حربه الصليبية المقدسة صائحًا في المجمع المحتشد لسماع خطابه: ( روحوا في الدرب المؤدي إلى القبر المقدس، انتزعوا هذه الأرض من الشعب الكافر، امنحوها لأنفسكم) بأمر يسوع المسيح.
واليوم وفي مطلع القرن الواحد والعشرين وفي ظل النظام العالمي الجديد ـ الذي تبنى واحدية الثقافة وواحدية الحضارة ـ ومن كوبنهاغن الدانماركية، أطلقت صحيفة"يولاندز بوسطن"شرارة العداء ـ من جديد ـ للإسلام والمسلمين من خلال رسوم مسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لا تندرج بأي حال من الأحوال إلا فيما يسمى بعنصرية الكراهية وعنصرية الفكر، لأن المقالات العدوانية والرسوم البذيئة التي تتهجم على قيم العالم العربي والإسلامي، وحضارته ومقدساته لا تعمل في فراغ منفصل عن الثقافة الفكرية والسياسية المتطرفة والدعاوة العدائية المنهجية المتعمدة، على خلفية نظرية صراع الحضارات التي تعتبر إحكام القبضة التي يمارسها اليهود المسيحيون على القدس سلطة ضرورية نحو النصر التام للمنظومة الفكرية الغربية، وإن فقدان الغرب للمدينة المقدسة حسب رأيهم مماثل فقدان المسلمين لمكة المكرمة، الأمر الذي يفسّر المناصرة المطلقة للكيان الإسرائيلي على حساب القضايا العربية والإسلامية.
فهل عنصرية المجتمع الغربي الحديث ظاهرة جديدة أم أنها كانت موجودة دائمًا تختبئ وراء مجموعة متصلة من التبريرات والأفكار والنظريات المتمرسة على تبرير أشد أفعال الغرب بربرية باسم الله، أو باسم الحضارة المسيحية، أو باسم العالم الحر.
وكيف نقرأ هذه الصور المسيئة وأهدافها ودوافعها، وكيف نتقبل ما يروجه الغرب من أنها مظهر من مظاهر حريته الفكرية والصحافية والاجتماعية فيما يتناسى الغرب المتحرر أن حرية الرأي تفقد حصانتها عندما يكون من شأنها أن تجعل من هذا الرأي تحريضًا أكيدًا على الكراهية والاستغلال والعدوان وامتهان الأديان.
وهل علينا أن نذكّر الصحف الغربية تلك أن مجرد إضفاء هدف أخلاقي أو ديني أو تحرري على ممارستها المتطرفة والمتعصبة والحاقدة لن يخفي الدوافع الحقيقية وراءها، ولن يجعل من هذه الممارسات أمرًا مشروعًا يمكن قبوله بأي شكل من الأشكال، فالحرب التي تشنّها الأقلام المتعصبة إنما هي استمرار للحرب ولكن بوسائل مختلفة.
الحرية والانتظام العام:
إن مبدأ التناسب بين المسؤولية والحرية تمتد جذوره بعمق في الضمير الإنساني، ولكن تعددت طرائق توصيفه وتنظيمه من قبل القوانين الوضعية، مثلما أضفت عليه الشرائع السماوية الكثير من معايير الانضباط الدينية ومكارم الأخلاق المثالية.
فإذا ما أردنا مناقشة تلك الصور المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام انطلاقًا من قوانين حرية الرأي والمعتقد العربية والإسلامية فإنها ولا شك تكون قد خرقت الكثير من الممنوعات والمحرمات، وما يعاقب عليه القانون ويأثّم عليه الشرع، الشرع الإسلامي الحنيف الذي جاء مكرمًا للعقل والحرية ولكن ضمن دستور أخلاق القرآن الكريم ومثله العليا التي جمعت ما بين صيغة"افعلوا ما يبدو لكن حسنًا"تبعًا لإلهام اللحظة، وصيغة الواجب الصارم بقوله تعالى"فاتقوا الله ما استطعتم"بهذه الكلمات يلفت القرآن الكريم أنظارنا إلى التكامل الوشيج بين واقعية الوسائل ومثالية القيمٍ، وبين الخضوع للقانون وحرية الفطرة.
(وقد يرى الغرب في ذلك تناقضًا لأن الضمير الذي يخاطبه القرآن ليس ذلك الضمير الغربي الفارغ والمتروك دون مرشد روحي غير حالته الفطرية، ودون زاجر ديني غير ذاتيته الخاصة) ، لذلك فإن مناقشة هذه القضية من وجهة النظر الغربية وقيم الحرية الفكرية والمعتقدية التي يؤمن بها تجد لها ولاشك غطاء واسعًا ما بين قوانينه الوضعية، ومرونته الأخلاقية، وتحولاته المعتقدية حيث أطاح المفكر العقلاني الغربي بجانب كبير من مسيحيته الكاثوليكية التقليدية، بحيث أصبح الغربيون يضعون معاييرهم التي يعتقدون بها لأنفسهم، ويصنعون الحقيقة التي ينشدونها وفق أمزجتهم.