بقلم اللواء الركن
محمد جمال الدين محفوظ
في حجة الوداع قال الرسول القائد صلى الله عليه وسلم: »تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي: كتاب الله وسنتي.«
والعسكرية الإسلامية قامت على تعاليم كتاب الله وسنة رسوله القولية والعملية والتقريرية، فهي بذلك مما ينطوي عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم..
والحق أنه لم يترك نبي من الأنبياء أمته على مثل ما ترك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من القوة والمنعة، مما يعد أمانة عظمى في أعناق المسلمين، عليهم أن يحملوها في كل عصر إلى أن تقوم الساعة.
فلقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يلحق الرسول القائد صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وقد أعد أمته لمواجهة أقوى تحديات عصرها وقهرها، ولعل أبرز تلك التحديات مواجهة أكبر قوتين عالميتين في ذلك العصر هما: فارس وبيزنطة، تلك المواجهة التي حدثت على الفور وفي عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ولا بد لنا - أمام هذه الحقيقة البارزة من حقائق التاريخ- أن نحلل القدرة الدفاعية الإسلامية التي بناها الرسول القائد صلى الله عليه وسلم، وتركها أمانة في أعناق المسلمين من بعده إلى عناصرها الأساسية، ثم نتأمل فيما فعل المسلمون بها، لكي نستخلص الدرس والعبرة لحاضرنا ومستقبلنا، فالله تعالى يقول: »فاعتبروا يا أولي الأبصار« (الحشر: 2) .
فمن عناصر تلك القدرة الدفاعية ما يلي على سبيل المثال:
1-جيش قادر على الردع وتحقيق الأهداف الاستراتيجية..
ليس من شك أن في الجيش الإسلامي في عصر النبوة قد حقق الهدف الاستراتيجي وهو تأمين الدعوة وقيام الدولة الإسلامية وتوفير الأمن والاستقرار لها لكي تؤدي رسالتها السامية لخير البشرية.
ولقد حدد الرسول القائد صلوات الله وسلامه عليه هذا الهدف منذ اللحظة الأولى من الصراع مع المشركين حين رفع يديه بالدعاء إلى ربه بعد أن نظم صفوف الجيش في بدر وقال: »اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تعبد في الأرض..« بهذا الوضوح والتحديد ربط عليه الصلاة والسلام برباط وثيق بين الدعوة وبين القدرة على الدفاع عنها وتأمينها، فكان من ذلك الهدف الاستراتيجي واضحًا ومحددًا.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف حارب المسلمون أكثر من ستين عملية من عمليات القتال قاد منها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ثماني وعشرين غزوة، وقد واجه المسلمون -وهم قلة في العدد والعدة- في تلك العمليات أكثر من عدو، فقد حاربوا المشركين واليهود والروم.
وكان الردع هو جوهر الاستراتيجية الحربية للجيش كما يلي:
§ بإيقاع الرهبة في قلب العدو وإخافته من عاقبة عدوانه على المسلمين تطبيقًا للتوجيه القرآني: »وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. « (الأنفال: 60) وللحديث: » نُصِرت بالرعب مسيرة شهر.« (من حديث البخاري) . ودليل ذلك أن القتال لم ينشب إلا في تسع عشرة غزوة خوفًا من مواجهة قوة المسلمين.
§ وبقدرة الجيش علىالتعرف على نوايا العدو، وعلى الحركة السريعة لمواجهة الخطر وإجهاض تدابير العدو للعدوان، وقد قام الجيش بعدة عمليات من هذا النوع كان أبلغ دليل على نجاحها أن الأعداء كانوا يفاجأون بها، فيتركون أموالهم وديارهم للمسلمين (مثل غزوة بني سليم - ذي أمر - بحران - ذات الرقاع - دومة الجندل - بني المصطلق - بني لحيان) .
2-جيش على مستوى عصره..
في فترة وجيزة لا تتجاوز سبع سنوات لحق جيش الإسلام الأول بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضيات عصره من حيث تكوين القوة الضاربة والتنظيم والتسليح:
§ فلقد كانت الاستراتيجية العسكرية العالمية المعاصرة لعصر النبوة (فارس وبيزنطة) تقوم على أساس أن تشكل القوة الضاربة للجيش من الفرسان بنسبة الثلث تقريبًا من مجموع قوته.
وكان جيش الإسلام في بادئ الأمر يفتقر إلى الفرسان، ففي أولى الغزوات مثلًا -وهي بدر - كانت لدى الجيش فرَسان فقط، فعُني الرسول صلى الله عليه وسلم بتدريب المسلمين على الفروسية وحثهم على اقتناء الخيول حتى قفزت قوة الفرسان إلى المعدل العالمي وهو الثلث، ففي آخر غزوة -وهي تبوك- كان عدد الفرسان عشرة آلاف في جيش قوامه ثلاثون ألف مقاتل.
§ وتطور تسليح الجيش بأن أضاف إلى أسلحته المنجنيق والعرادات والدبابات، وهي أسلحة خاصة بالحصار ودك الحصون والأسوار. فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم بعثة من اثنين من المسلمين إلى جرش في الشام فتعلما صنعة هذه الأسلحة، ثم استخدمها الرسول صلوات الله وسلامه عليه في حصار الطائف وخيبر.
§ وبهذا كان الجيش معدًا لمواجهة جيوش فارس والروم فورًا ومن عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه كما ذكرنا.
3-مدرسة عسكرية كاملة..