فهرس الكتاب

الصفحة 5889 من 27345

والتمني والأمل قرينان , إلا أن الأمل صاحبه يقدم بين يديه سببا , بخلاف التمني فصاحبه يريد شيئا بلا سبب , والتمني ينقسم إلى محمود ومذموم. فما كان من أمر الآخرة فهو محمود ؛ لأن العبد لن يبلغ الجنة بعمله . فهو يتمنى فوق عمله بعد استيفاء الأسباب التي أمر الله بها , فطمع في رحمة الله ؛ فتمنى مالا يبلغه عمله , وما كان من أمر الدنيا!فإن كان عونا على الآخرة فهو محمود , وإن كان من أمر الدنيا محض فهو سفه , ونقص في العقول فإن الدنيا والآخرة ضرتان إن انشغل بواحدة أضر بأختها , ثم لن يأتيه مما تمنى إلا ما قُدِّر له , قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } (1 )

تأمل قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) أي وصلوا إلى قمة الغفلة عن الله , واغتروا بما في أيديهم , ونسوا موجدهم , وفرحوا بما عندهم , وبينما هم كذلك بهتهم أمر الله , كما قال تعالى (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) فأذهبهم الله عز وجل , وأذهب ما بأيديهم .

ولكن من يعتبر بآيات الله , ويقف عند الحقائق التي أوقف الله عباده عليها كما قال تعالى: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .

فالتمني المحمود هو رضى الله والجنة مع أخذ الأسباب بما أمر الله به..

قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) } (2 )

وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا (122) } ( 3)

ثم قال سبحانه بعدها مباشرة:

{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (123) } (4 )

نري الكثير اغتر بحلم الله عليه , وبلطفه به , وبإسباغ النعم ظاهرة وباطنة مع تقصيره وغفلته , فعاش في الأمنية التي عاش فيها أهل الكتاب . كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) } (5 )

قال قتادة:إي والله لخلف سوء بعد أنبيائهم ورسلهم , أورثهم الله وعهد إليهم , تمنوا على الله أماني وغِرّة يغترون بها , لايشغلهم شئ عن شئ , ولا ينهاهم شئ عن ذلك , كلما هفّ لهم شئ من الدنيا أكلوه , لا يبالون حلالا كان أو حراما . ( 6)

حسدوا من فوقهم في الطاعات , وبغوا عليهم ؛ وتعالوا على من دونهم في المعاصي , وقتروا عنهم , ويقولون سيغفر لنا !

ومن الخير تمني فعل الخيرات مع أخذ أسبابها , فإن عجز عن إيجاد السبب يؤجر على نيته ؛ وكذلك تمني الشر مع العجز عن إتيانه يأثم صاحبه.

عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ ؛ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا , فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ , وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ , وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا ؛ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ . وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا , فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ ؛ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ . وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا ؛ فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ , لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ , وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ , وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا ؛ فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ . وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ , فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ. (7 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت