فهرس الكتاب

الصفحة 2310 من 27345

أنوار القرآن وخفافيش الظلام ... ... ...

القرآن كله أنوار { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .

وما أشد الحاجة إلى النور الرباني ليبدد الظلام الشيطاني ! وما أعظم الافتقار إلى أنوار الهداية لتزيل ظلمة الغواية ! سيما في مثل هذا العصر الذي تحالفت فيه ظلمات الشهوات التي بلغت مبلغًا فاق التصورات مع ظلمات المذاهب الفكرية ، والمبادئ العقدية المنحرفة التي أدغلت في نقض وتشويه حقائق الإيمان ، مع ظلمات الظلم الذي يصمّ الأذان ، ويملأ الأبصار كل ليل ونهار { ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } .

ولك أن تتصور - عزيزي القارئ - حالة الذي يسير في وسط الظلام الدامس ، إن العثرة ترافقه في كل خطوة ، والخوف يملأ قلبه مع كل خفقه ، والحيرة تشغل عقله مع كل فكره ؛ لأنه يقدم نحو المجهول ولا يعرف المخاطر التي تنتظره فضلًا عن أن يدرك أبعادها ويحدد حجمها أو أن يستعد لها .

إن مثل هذا السائر يتلهف إلى بصيص من نور ، يقيل عثرته ، ويبدد حيرته ، ويذهب مخافته .. إن الشعاع الضئيل بالنسبة له كنز ، وتأمل تصوير القرآن الكريم لهذه الحقيقة وتلك الحالة في قوله تعالى: { أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } ، وكذلك في قوله جل وعلا: { يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا } .

إن من الناس فئة ألفت الحياة في الظلام وصار النور يعشي أبصارها ويؤذي بصائرها ، وهؤلاء يحرصون على الظلمة ؛ لأنها تستر عوراتهم ، وتغطي عثراتهم .. لأنها تبقي على سواد قلوبهم وفساد نفوسهم ، ولما كان القرآن هو النور الساطع والضياء اللامع ؛ فإن قلوب هؤلاء وعقولهم صدت ولا تزال تصد عنه: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } .

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } ، وليس هذا مقصودًا على الكفر القديم أو الجاهلية الأولى ، بل هو اليوم أظهر وأشد ، فالملحدون من أذناب الفكر الشيوعي اللاديني يرفضون القرآن ؛ لأن من أنواره قول الحق جل وعلا: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } .

والقوميون - على اختلاف مشاربهم وتنوع أسمائهم - لا يرتاحون للقرآن لأن قوله جل وعلا: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } يعري دعوتهم .

والرأسماليون يصفهم قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا }

والعلمانيون يغصّون بقوله تعالى: { إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} .

وقس على هؤلاء وأمثالهم من صنجوا عن الحق وحادوا عن الصواب ، وتفرّغوا لحرب القرآن وطمس أنواره { يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }

ولأنهم لا يعرفون القرآن ؛ فإنهم لم يقفوا على هذه الآية والحقيقة الخالدة التي تصوّرهم وتصوّر جهادهم المرير بصورة مضحكة يقربها لك - عزيزي القارئ - قول الشاعر:

قل لي بربك هل تطيق ذبابة حجبًا لنور الشمس وهو البادي

أما المؤمن الصادق والمسلم الحق فيدرك أن نور القرآن أهم وأغلى شيء في الوجود .. به يعرف الدنيا ويبصر الآخرة ، ومن خلاله يعرف الحق من الباطل ويقوم الأشخاص ويحكم على الآراء ولذا فهو به مستمسك وعليه حريص ولكن بعض المسلمين لم ينفقوا بكل أنوار القرآن ، وبعضهم ربما ترك بعض تلك الأنوار وسمح لظلمات الجاهلية أن تدني مستوى وضوح الرؤية لديه فترى كثيرين غابت عنهم حقائق قرآنية ، وآخرين فقدوا أخلاقًا قرآنية .

ونحن نحتاج أن نقتبس كل مرة بعض الأنوار من بعض آيات القرآن ليشرق صبح الحق في حياتنا ، وتسطع شمس الهدى في آفاقنا، وتأنس أبصارنا وبصائرنا بالضياء وتنتفع به وتعش عيون خفافيش الظلام.

د. علي بن عمر بادحدح ... ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت