فهرس الكتاب

الصفحة 4265 من 27345

الإعلام العربي بين الواقع والأمل!

د. عبدالقادر طاش 15/2/1425

قد أصبح من مكرور القول أن نقرر بأن عصرنا الحاضر هو عصر الإعلام. وليس في هذا الوصف أدنى مبالغة، فقد تعددت وسائل الاتصال والإعلام، وتنوعت أساليبه، وتشعبت مجالات تأثيره، واستولت هذه الوسائل على أوقات الناس، واستقطبت اهتماماتهم، وغدت ظاهرة عالمية لا تقتصر معالمها على مجتمع دون آخر، ولا يصد آثارها الحواجز التقليدية، التي تعارف عليها الناس من حدود جغرافية أو اختلافات لغوية أو تباين ثقافي أو سياسي أو اقتصادي.

ولا بد لنا ونحن بصدد الحديث عن الإعلام العربي المعاصر وتشخيص مشكلاته وقضاياه أن نمهد لذلك بإلقاء الضوء على واقع الإعلام في عالم اليوم من حيث حجمه وسماته والقوى التي تهمين على حركته وتوجّه مسيرته.

واقع الإعلام الدولي المعاصر

إن أبرز ما يميز واقع الإعلام في عالم اليوم أنه يتسم بما يسميه علماء الاتصال والباحثون الإعلاميون بـ (الاختلاف الإعلامي) بين دول العالم وشعوبه. ويتمثل هذا الاختلاف في عدد من المظاهر البارزة من أهمها:

1-احتكار الغرب لصناعة تقنية المعلومات، والاتصال والإعلام، وهي ما تسمى بأوعية الاتصال وأدواته.

2-سيطرة وكالات الأنباء الخمس الكبرى على الساحة الإعلامية من حيث استقاء الأنباء وتوزيعها على النطاق الدولي، حيث يحصل العالم على أكثر من 80% من أخباره من لندن، وباريس، ونيويورك، وموسكو. وهذه الوكالات هي: رويتر البريطانية، ووكالة الصحافة الفرنسية ووكالتا الأسيوشيتد برس واليونايتد برس انترناشونال الأمريكيتان، ووكالة تاس السوفيتية. ويتمثل الاختلال هنا في الأخبار المتبادلة بين العالم الصناعي، والعالم النامي، إذ تخصص هذه الوكالات الخمس ما بين 10% -30% فقط من أخبارها للعالم النامي كله!!

3-تميز التبادل الإخباري- أو التدفق - بين الدول الصناعية والدول النامية باختلال نوعي- إضافة إلى الاختلال الكمي- إذ أن نوعية الأخبار التي تبثها الوكالات الخمس الكبرى عن العالم الثالث تركز على الجوانب السلبية، كالكوارث، والاضطرابات، والقلاقل ونحوها، تبعًا للمفهوم الغربي للخير.

وهو ما عبر عنه أحدهم بقوله: (إذ عض كلب رجلًا فليس ذلك بخبر، ولكن إذا عض رجل كلبًا فذلك هو الخبر) .

4-هيمنة المادة الإعلامية الغربية، والمضمون البرامجي المنتج في بيئات غربية على النطاق الدولي. وتتضح هذه الهيمنة في المجال التليفزيوني من خلال سيطرة أربع شركات غربية رئيسة، هي وكالة الأخبار المصورة البريطانية، واليونايتد برس، والنيوز فيلم الأمريكيتان، والوكالة الألمانية- على مجال الأخبار التليفزيونية المصورة. كما تتضح من خلال حجم الأفلام والبرامج والمسلسلات والمواد الإعلامية التي تبيعها الدول الغربية- والولايات المتحدة بشكل خاص - لدول العالم.. فشركة (سي بي إس - CBS) الأمريكية مثلًا، توزع برامها وأفلامها في 100 دولة في العالم. بينما تصل شركة (إيه بي سي -ABC) إلى 60% من تليفزيونات العالم. وقد حدت هذه الظاهرة الباحث البريطاني (جيرمي تنستال- J.Tunstall) إلى تأليف كتاب هام أسماه (أمركة الإعلام) يحلل فيه ظاهرة (أمركة العالم تليفزيونيا ً ) ، كما ألف الباحث الأمريكي (هربرت شيلر-H. Schiller) كتابه الشهير والمثير (الاتصال الجماهيري والإمبراطورية الأمريكية) .

5-توظيف العديد من القوى الدولية لوسائل الإعلام لخدمة أغراضها وأهدافها الأيديولوجية والسياسية والثقافية. ففي مجال الإذاعة المسموعة فإن الدول الصناعية الكبرى تتحكم في 90% من الموجات الإذاعية في العالم. وتقوم وكالة الاستعلامات الأمريكية بنشاط إعلامي واسع النطاق على المستوى الدولي من خلال إنشاء المراكز الإعلامية (178 مركزًا في 111 دولة) وإنتاج الأفلام السينمائية وتوزيعها (200 فيلم سنويًا) ، وتوزيع أفلام الفيديو (200 فيلم سنويًا) ، ونشر المكتبات التابعة لها، وبث ما بين 6 و10 آلاف كلمة إخبارية إلى العديد من صحف العالم ومجلاته. هذا بالإضافة إلى استخدام إذاعة (صوت أمريكا) الموجهة التي تذيع أكثر من ألف ساعة في الأسبوع بـ 42 لغة في العالم، وتهدف إلى بث الأخبار التي تعبر عن الوجهة الأمريكية، وتوضيح السياسة الأمريكية، والترويج لنمط الحياة الأمريكية ورموزها وتقاليدها.

بالمقابل يوظف الاتحاد السوفييتي وسائل الإعلام لخدمة أهدافه الأيديولوجية والسياسية من خلال العديد من النشاطات. وكان (لينين) من أوائل من أدركوا خطورة الراديو وقدرته على تجاوز الحدود وبث الأفكار، وكان يسميه (صحيفة بلا ورق ولا تعرف شيئًا اسمه الحدود) ويذيع (راديو موسكو) - الذي يحتل المرتبة الأولى بين الإذاعات الموجهة في العالم في عدد ساعات البث - حوالي 2200 ساعة في الأسبوع بـ 81 لغة ولهجة في العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت