فهرس الكتاب

الصفحة 27267 من 27345

يسر الإسلام في أحكام حج بيت الله الحرام

وفيه التحقيق لجواز رمي الجمار قبل الزوال

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله الذي هدانا للإسلام ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة من قال: ( ربي الله ثم استقام) واستسلمت جوارحه لإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والصيام وحج بيت الله الحرام .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي رفع ببعثته عن أمته الآصار والأغلال فشرع الأحكام ، وبين للناس الحلال والحرام ، وسكت عن أشياء رحمة منه غير نسيان.

اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اتبعهم بإحسان.

أما بعد ــ فإن الله سبحانه قد أكمل لعباده الدين ، وأتم عليهم النعمة ، بإرسال هذا النبي الصادق الأمين (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) . وجعله رحمة لمن اتبعه وسعادة لن تمسك بهديه ، وقال: » بعثت بحنيفية سمحة « فالدين الذي جاء به هو دين السهولة واليسر » ما جعل عليكم في الدين من حرج « ، » يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر « ، وقال: » ونيسرك لليسرى « ، أي للشريعة التي تفضل غيرها بالسماحة واليسر ، فمن رأفته وسماحة شريعته ، أنه يشق عليه كل ما يعنت أمته وكان يقول لأصحابه: » يسروا ولا تعسروا « ، ويقول: » أ كلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا «.

وكل من تأمل شرائع الإسلام التي جاء بها ــ عليه الصلاة والسلام ــ وجدها في مواردها ومصادرها تفر من مضائق الشدة والعنت واليسر إلى فضاء السهولة واليسر .

فما من شيء من العبادات تشق على الناس مشقة زائدة على المعتاد إلا كان لها بدل من التيسير حاضر عتيد » ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعمله الذين يستنبطونه منهم«.

فمن ذلك الصلاة التي هي آكد العبادات ، لما كان من شروطها الطهارة بالماء وقد أعوز استعماله ، إما لمشقة طلبه ، أو لحبس الماء خوفا على نفسه أو رفقته أو تضرر العضو العليل به، بحيث يخشى أن يزيد في مرضه أو يؤخر من برئه ، قام التيمم بدله ومثله عادم الطهورين يصلي على حسب حاله ولا إعادة عليه ، وكذا القيام ي صلاة الفرض فإنه ركن من أركان صحة الصلاة وينوب القعود عنه عند وجد ما يمنعه ، ومثله صيام رمضان ، فإنه أحد أركان الإسلام ، وقد قال تعالى: » فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر « ، ورخص للشيخ الكبير الذي يشق عليه الصيام فوق المشقة المعتادة بأن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا، وكذا الحج، فإنه فرض العمر مرة واحدة: » والله على الناس حج البيت من استطاع سبيلا «.

وفسر استطاعة السبيل بوجود الزاد والراحلة وأمن الطريق ، ونص الفقهاء على سقوطه بظن حصول الضرر على نفسه وأهله ولو يأخذ خفارة من ماله مجحفة ، وقيل أو غير مجحفة، وهكذا سائر العبادات ما قدر عليه منها فعله وما أعجزه سقط عنه ، إما سقوطا كليا أو إلى بدل، وهذه قاعدة مطردة في سائر الشرائع الدينية تعرف بالتتبع والاستقرار ، لأن الشرائع منزلة على مصالح العباد في المعاش والمعاد ، لأنها إما مصلحة يطلب جبلها وتكثيرها ، وإما مفسدة يطلب درأها وتقليلها ، فيه دائما تطلب الفعل فتعلله بما فيه من نفع أو تنهى عنه لما فيه من ضر ، وهذا الطلب وإن لم يكن مستمرا لفظاً ، فإنه ثابت حقيقة ، ومعنى إذ ليس العقول بقادرة على إدراك جميع أسرار الشرائع.

ولهذا نرى العلماء تختلف أفهامهم في حكمة الشيء الواحد ، فيحكى كل واحد منهم الحكمة على حسب ما أدى فيهمه ، فينهون الكلام في حكمة الشيء الواحد في ثلاثة أقوال أو أربعة أو أكثر، فيمكن إدراك تلك الأقوال أو بعضها لسر الحكمة ، ويمكن عجزها عن إدراكها ، فإن من أسرار الشرائع ما أمكن الناس الوصول إلى معرفته ، ومنها ما عجزوا عن أسرار حكمته، لكنهم مع جهلهم بها يؤمنون بكل ما جاء عن الله ورسوله إيماناً جازماً ليس مشروطا ، بعدم معارض، وإن الله في كتابه وعلى لسان نبيه لم يخبر بما يكذبه العقل ولم يشرع ما ينافي الميزان والعدل

» وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلا «.

ومن ذلك سائر مناسك الحج ومشاعره ، مثل التجرد عن الثياب للإحرام ، والطواف والاضبطاع فيه والرمل والسعي والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والحلق غير ذلك. فهذه وإن خفي على الناس أسرار حكمتها ، فإنها إنما شرعت لإقامة ذكر الله وطاعته وتوجيه جميع المسلمين في صلاتهم وطوافهم إلى قبلة بيت ربهم واجتماعهم في البلد الحرام » سواء العاكف فيه والباد « والذي من دخله كان آمناً ، فيتذاكرون بهداية الإسلام والقيام بشرائعه على التمام ولما طاف عمر بن الخطاب بالكعبة وقبل الحجر قال: » إني أعلم أنك حجر ولا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك « .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت