فهرس الكتاب

الصفحة 24287 من 27345

بسم الله الرحمن الرحيم

أولًا: المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد: (1)

فإن موضوعنا - أيها الأحبة - الذي يدور عليه حديثنا يتعلق بناحية مهمة في حياتنا الاجتماعية، ولذا فإني أقدمه هدية لكل عروسين، بل لكل واحد منكم، والهدية - كما تعلمون - تعبير صادق عن المحبة الكامنة في الفؤاد، والرّغبة في إدخال السرور على قلب كلٍّ من الزوجين، وهي وإن اعتاد الناس كونها مادية، إلا أني سأقدمها معنوية، إيثارًا لما يبقى على ما يفنى:

لا خيلَ عندك تُهديها ولا مال ... فليُسعد النطقُ إِنْ لم تُسعدْ الحَالُ

ولذا أحببت معالجة هذا الموضوع الذي يدور بِخَلَد الكثيرين ممن وقفوا على عتبة باب الزواج من فتيان وفتيات، سائلًا الله أن تكون هذه المعالجة سبيلًا إلى تحقيق السعادة لهم جميعًا في الدارين. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وقد دفعني لاختيار هذا الموضوع عدة دوافع أذكر أهمها:

أهمية هذا الموضوع، حيث إن السعادة الزوجية مطلب ضروريّ لك راغب في الزواج، ومقبل عليه، وواقع فيه.

كثرة وقوع المنازعات والخلافات الزوجية التي تؤدي إلى الفرقة والشقاق، ومن ثمّ الطلاق؛ وليس هذا في مجتمعنا فحسب، بل لا يكاد مجتمع يسلم من زخم الأرقام الهائلة لحوادث الطلاق، وخير دليل نقدمه على صدق هذه الدعوى ما أثبتته الإحصائيات لنسب الطلاق على المستوى الدولي.

ففي أمريكا وصلت نسبة الطلاق إلى (48%) .

بينما وصلت في ألمانيا لمن هم دون الخامسة والعشرين عامًا إلى (35%) .

وفي أوربا عمومًا وبعض الولايات الأمريكية وصلت إلى (62%) .

وإذا انتقلنا إلى الدول العربية، وجدنا بعضها قد وصلت فيه النسبة إلى (20%) .

وهذه النسب كلها مذهلة، حيث تجد نسب الطلاق تصل إلى ما فوق النصف، أو الثلث، أو حتى إلى الخمس.

فضلًا عن تلك البيوت التي تتشبث بعقد الزوجية مع ما تعيشه من اختلاف وتمزق وتعاسة.

أن الأسرة المستقرة تُخرّج الأجيال الذين يُعدون لحمل رسالة الإسلام.

فنحن بحاجة إلى الشاب الصالح والفتاة المؤمنة اللذين يتربيان في بيت ترفرف عليه السعادة؛ لا الفراق والشقاق، وهنا ينشأ الأولاد في جو نفسي رائع بعيد عن التوتر والقلق، وفي مثل هذا البيت يتخرّج الدعاة والمصلحون.

وقد استشرت في هذا الموضوع المهم وهو"مقومات السعادة الزوجية"ذوي الاختصاص، كما رجعت إلى بعض المراجع، واستفدت من ذوي الخبرة والتجربة، وخرجت من هذا كله بخلاصة تحوي (معظم) مقومات السعادة الزوجية.

ولطول الموضوع، وكثرة ذيوله، فإنّي سأذكر هذه المقومات على سبيل الإيجاز والاختصار والتركيز الشديد.

وقبل أن ألجَ في خِضَمّ الموضوع، أحب أن أشير إلى اهتمام الإسلام وعنايته البالغة بشأن الزواج، وترغيبه التام، وحَثّه المُطّرِد عليه، وذلك في آيات وأحاديث كثيرة، أشير إلى بعض منها على عجالة:

فمن الآيات:

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء: الآية 1) .

قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (الروم: من الآية21) .

وقوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات: الآية 49) .

ومن صفات المؤمنين التي يذكرها الله لنا في معرض المدح: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74) . فهم ينشدون السعادة في أزواجهم وأولادهم، ويسألونها من القادر عليها - سبحانه -.

ومن الأحاديث:

قوله - صلى الله عليه وسلم -:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" (2) الحديث.

ما رواه أنس، أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، سألوا أزواج النبي صلى الله عليهم عن عمله في السرّ؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء! لا وقال بعضهم: لا آكل اللحم! وقال بعضهم: لا أنام على فراش! فحمد الله وأثنى عليه، فقال:"ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام؛وأصوم وأفطر؛ وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني" (3) .

(1) - أصل هذه الرسالة محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ ناصر العمر، وقد أذن لنا مشكورًا بإخراجها، ونشرها، حتى يتم النفع بها - إن شاء الله.

(2) - رواه البخاري (فتح 9/112) ومسلم (1400) .

(3) - رواه البخاري (9/104) ومسلم (1401) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت