إعداد:- علي البغدادي 7/7/1424
أولا: اتخاذ القرار
بعد الهزيمة النكراء التي منيت بها قريش في بدر, أخذت روح الثأر تحركهم للانتقام من المسلمين .. فقرروا أن ينفقوا ربح التجارة من القافلة التي أفلتت من المسلمين في تجهيز جيش يوجه لغزو المدينة ودعوا الأحابيش وقبائل كنانة وتهامة للمشاركة في القتال .. فتجمع لهم ثلاثة آلاف مقاتل .. عزموا على الإطباق على المدينة على حين غرة من أهلها.
علم العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم - وكان يقيم بمكة ويكتم إسلامه ويرسل للنبي صلى الله عليه وسلم أخبار ما يدور في مكة- بأمر الجيش, فأرسل رسالة عاجلة بالأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع رجل واشترط عليه أن يصل إلى المدينة في ثلاثة أيام, فأدرك الرجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بقباء, فأعطاه الرسالة وقرأها له أبي بن كعب, وطلب صلى الله عليه وسلم من أبي أن لا يخبر أحدا .. وأرسل رجلين من أصحابه لرصد تحركات قريش ومعرفة المكان الذي وصلوا إليه.
ورأى رسول الله رؤيا فقال لأصحابه ( إني قد رأيت والله خيرا, رأيت بقرا لي تذبح, ورأيت في ذباب سيفي ثلما, ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة, وأني مردف كبشا) وأوّل النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا بأن البقر ناس من الصحابة يقتلون والثلم في ذباب السيف فهو رجل من أهل بيته يقتل, وأما الكبش فإنه يقتل كبش القوم, والدرع الحصينة هي المدينة.
واجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة ليتشاوروا بالأمر وينظروا ماذا يصنعون .. وقد أرادها النبي صلى الله عليه وسلم حرب شوارع فكان يرى ألا يخرج المسلمون من المدينة ويتحصنوا بها فإن أقام المشركون في معسكرهم أقاموا بشر مقام وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة, والنساء والأطفال يرمونهم بالحجارة من فوق البيوت .. فالمشركون كما علم النبي صلى الله عليه وسلم من عيونه يفوقون المسلمين عددا وعدة وقد جاءوا والشر يتطاير من عيونهم تحركهم نوازع الثأر والانتقام فالأجدر هو التحصن بالمدينة التي يعرفونها جيدا وإقامة الكمائن ومشاركة الجميع في القتال بما في ذلك النساء والأطفال والشيوخ .. فيتشتت جيش العدو في المدينة ويفقد ميزة التفوق العددي, ووافقه على ذلك جمع من كبار الصحابة كما كان هذا رأي عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين الذي استشاره الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كنا نقاتل في الجاهلية فيها, ونجعل النساء والذراري في الصياصي ونجعل معهم الحجارة, والله لربما مكث الولدان شهرا ينقلون الحجارة إعدادا لعدونا, ونشبك المدينة بالبنيان لتكون كالحصن من كل ناحية, وترمي المرأة والصبي من فوق الصياصي والآطام ونقاتل بأسيافنا في السكك, يا رسول الله إن مدينتنا عذراء ما فضت علينا قط وما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا وما دخل علينا قط إلا أصبناه, فدعهم يا رسول الله فإنهم إن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن رجعوا رجعوا خائبين مغلوبين لم ينالوا خيرا, يا رسول الله أطعني في هذا الأمر واعلم أني ورثت هذا الرأي من أكابر قومي وأهل الرأي منهم فهم كانوا أهل الحرب والتجربة.
وكان هناك رأي آخر تولاه شباب المدينة من كبار الصحابة وخاصة الذين فاتهم القتال في بدر, قالوا (إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبنا عن لقائهم فيكون هذا جرأة منهم علينا وقد كنت يوم بدر في ثلاث مائة رجل فظفرك الله عليهم ونحن اليوم بشر كثير وقد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا) .
وقال مالك بن سنان: يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسنيين إما أن يظفرنا بهم أو يرزقنا الشهادة.
وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي هذا خارجا من المدينة.
وقال إياس بن أوس: يا رسول الله نحن بنو عبد الأشهل نرجو أن نذبح ويذبح فينا فنصير إلى الجنة ويصيرون إلى النار مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش فيقولون حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها فيكون هذا جرأة لقريش.
وقال النعمان بن مالك: يا رسول الله لم تحرمنا الجنة؟ فوالذي لا إله إلا الله لأدخلنها, فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم: بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف, فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: صدقت.
وقال عبد الله بن جحش: اللهم إني أسألك أن ألقى العدو غدا, فيقتلوني, ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني وتسألني فيم ذلك فأقول فيك.
وكان هذا رأي الأغلبية الذي عارض رأي الرسول صلى الله عليه وسلم بكل حرية.. ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الرأي ولبس درعه وحمل سلاحه .. فشعر المسلمون الذين ألحوا بالخروج بالندم وقالوا: استكرهنا رسول الله, وعرضوا عليه العودة إلى رأيه الأول .. فأبى وقال: ( ما ينبغي لنبي إذا لبس لامة الحرب أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه) .