إذا كان الشيخ قد امتد بفتاواه المردودة أخيرا إلى الوضع الدستوري للبلاد التي يسكنها مسلمون .وبارك فيها العلمانية وخذل صحوة المسلمات في أوربا وغيرها أو أصابها في مقتل في وقت ينتظرن فيه نصرته بكلمة الحق والشرع متناسيا قوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء بسنن أبي داود بسنده عن إسماعيل بن بشير يقول سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته ) متجاهلا أين هو بين هذين
وإذا كان الشيخ لم يكتف بمواقفه المتخاذلة المتذبذبة من القضية الفلسطينية والعراقية وقضايا الشعوب والتحرير والتعليم
وإذا كان الشيخ بتخليه عن المرأة المسلمة في فرنسا قد أخل إخلالا جسيما بواجباته القانونية التي تفرضها المادة الثانية من الباب الأول من القانون رقم 103 لسنة 1961 التي جاء فيها أن ( الأزهر هو الهيئة العلمية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب ) والمادة رقم 6 التي تنص على أن شيخ الأزهر هو الذي يمثل الأزهر
وإذا كان الشيخ بفتواه الجديدة عن حجاب المرأة المسلمة في فرنسا قد أضاف إلى أمجاده التاريخية قتلى جددا من بينهم دور الأزهر في العالم الإسلامي
فإن الشيء من معدنه لا يستغرب .. إذ هو إنما يواصل فتاواه التي اصطُلح أخيرا على تسميتها بالليبرالية مما يشي بطابعها التغريبي ، مواصلا ما بدأه منذ أربعة عشر عاما بضرب الاقتصاد الإسلامي في مقتل بفتواه بحل فوائد البنوك الموصومة بالربوية وهي المعركة التي نراها من أهم المعارك العصرية التي تعني مشكلة الذاتية الإسلامية في الصميم ، إذ يحاول البعض - وعلى رأسهم الشيخ محمد سيد طنطاوي - تهجين فوائد هذه البنوك الموصومة بالربوية وإعطاءها عناوين عصرية - بعضها مضحك - من مثل كلمات"الفائدة"و"الربح"و"الجائزة"و"العائد"الخ .
يتعرض الأستاذ الدكتور حسين حامد لظاهرة التلاعب في ألفاظ الربا والفائدة والربح إلخ في بحثه المنشور في 15\12\2002فيقول: ( تنص المادة الرابعة من القانون رقم 37 لسنة 1992 على أن تُستبدَل بكلمة"الفائدة"أينما وردت في القانون رقم 163 لسنة 1957 أو القانون رقم 120 لسنة 1975 كلمة"العائد"، وهو لا يغير من الحكم الشرعي، وهو حرمة كل زيادة عن مبلغ القرض؛ ذلك أن الحكم الشرعي مرتبط بكلمة"النفع"بكل صوره وجميع أشكاله، بصرف النظر عن التسمية التي تُطلق عليه، ربحًا كانت أو عائدًا أو هدية أو منحة أو مكافأة أو جائزة ) يقول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وان تبتم فلكم رءوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون ) 279 البقرة .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة في سننه بسنده: ( الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) ورواه الحاكم وصححه .وروى الإمام مسلم بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه ، وشاهديه ، وقال: هم سواء ) .
أما الذين يحاولون التخلص من حكم الربا في فوائد البنوك - وقد أصبح الشيخ الطنطاوي رمزا لهم وإن لم يكن أولهم - فلهم أوهام يحاولون أن يصنعوا منها مخارج . وسوف نتعرض هنا لأوهام الشيخ بالتفصيل مشيرين لما عداها على وجه الإيجاز
ففي الوهم الأول: يحاول بعض المروجين لتغريب المجتمع الإسلامي وخلعه من قواعده اقتصاديا .. ادعاء أن الربا المحرم هو ما يكون أضعافا مضاعفة ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن محرما .
والحقيقة التي غفل عنها هؤلاء: أن الربا في جميع أحواله مضاعفة مستمرة سنويا لمقدار ما يسمى الفائدة ، مهما قلت النسبة .
يقول العلامة الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز: ( إن قواعد اللغة تجعل كلمة أضعافا الواردة في قوله تعالى"لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة"حالا من الربا نفسه ، ولو كان الأمر كما يزعمون - أي حالا من رأس المال - لكان القرآن لا يحرم الربا إلا ما بلغ ثلاثة أمثال رأس المال على الأقل ) [1] .
ويكفي أن نتذكر الربا الذي أعفيت منه مصر في ديونها العسكرية ، طبقا لما ذكره رئيس الجمهورية في تصريح سابق حول حرب الخليج الثانية: إن مصر أعفيت من ديونها لأمريكا بمبلغ سبعة مليارات ، كانت ستدفعها ثلاثة وعشرين .
ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف في مقالته بمجلة لواء الإسلام السنة الرابعة بالعدد الحادي عشر والثاني عشر 1370 هـ 1951 م: ( فالتقييد بالأضعاف المضاعفة ليس للتخصيص والاحتراز عما عداه ) [2]