(الحلقة الأولى)
د/ فيصل بن سعود الحليبي 24/6/1426
لا تبادرني ـ أيها القارئ الكريم ـ بالتعجّب والاستغراب من عنواني هذا؛ لحضور الجواب التلقائي في عقلك، وانطلاقه على أطراف لسانك؛ لأني استغربت مثلك حينما سُئلت هذا السؤال!!
غير أني بعد أن أمعنت النظر في أحوال بعض بيوتنا رأيت حاجتنا الملحة لطرق هذا الموضوع بكل وضوح وشفافية!
وسرعان ما زال الاستغراب عني وسيزول عنك بلا ريب حينما رأيت سلف الأمة قد أعطوا هذا الموضوع نصيبه من التفصيل العلمي الدقيق في كتاباتهم الفقهيّة.
وإن من المُسَلّمات هنا أن الله سبحانه وتعالى قد أوكل مهمة الإنفاق على الزوج تجاه زوجته، بل عدَّ ذلك مما فضّله به عليها فقال: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) .
وهنا تأتي رحمة الله بالمرأة حينما جعلها مكفولة في نفقتها، لا تحتاج إلى أن تمدّ يديها إلى أحد من الناس ما دام هناك من تجب عليه نفقتها من الرجال، أمًا كانت أو أختًا أو بنتًا أو زوجة. فيالها من صيانة للمرأة تتميّز بها شريعة الإسلام؛ لترفع بها المرأة إلى قدر كبير من التبجيل لها والاحترام لأنوثتها ورقتها.
ولا يخفى عليك ـ أيها الحبيب ـ كم للتفكير في النفقة وجلبها من هَمٍّ يؤرق الرجال فكيف نريد أن تتحمله المرأة!!
لقد أنزل الله تعالى هذا الحق لها من فوق سبع سماوات فقال سبحانه: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) .
فليست كفايتها في حقها بالنفقة حكمًا بشريًا ربما يزول أو يتغيّر، بل هو حق رباني لا يحق لأي قوة مهما بلغت أن تحجبه عنها أو تفكر في منعها منه.
لقد عَجِبَت تلك المرأة الكافرة التي أتت إلى مكان لتقضي فيه وطر الزنا مع رجل مسلم حينما سألته عن تتابع الاتصالات الهاتفية عليه فسألته عن ذلك، فقال لها: إنها زوجتي تريد بعض حوائجها وحوائج أبنائها من السوق، فقالت: ولماذا لا تشتري هي هذه الأشياء بنفسها ومن مالها؟ فأجابها بكل عفويّة: إن هذا من واجبي نحوها، فزاد عجبها فقالت: ومن الذي أوجب عليك هذا؟ فقال: ديني، فأُصيبت بالذهول .. كيف لا .. وهي تلقي بنفسها بين أحضان الشهوة المحرمة، وتقدم عِرضها سلعة رخيصة مهينة لكل من يريدها .. في مقابل ما تراه يوفر لها المعيشة والحياة كالآخرين.. لم تقطع حديثها بل واصلت تسأل عن هذا الدين الذي يكفل للمرأة النفقةَ عليها والرعاية لها ولأولادها.. فأجابها: إنه الإسلام .. فبحثت عن تعاليمه ..وقرأت عنها ..وسرعان ما هداها الله تعالى إليه.. بل وهدى على يديها أمثالها..وليس المقصود من هذه الواقعة اتخاذ الزنا المحرم ذريعة إلى الدعوة إلى الله!
كلا.. فهذا لا يشك في منعه عاقل.. وإنما لمّا رأيت فيها من عظة تدل على نبل الإسلام وتشريفه للمرأة وتكريمها.
وإن الزوج حينما يقوم بمسؤولية الإنفاق على زوجته يهيئها لمسؤولية أليق بها وأنسب، يعود نفعها عليه وعليها، وعلى أسرتهما بل وعلى المجتمع كله أيضًا، فهي التي توفر الراحة النفسية والبدنية له، وتمنحه المزيد من السعادة والمودة، حتى إنك لترى ذلك واضحًا على نتاج الرجل في حياته العلمية والعملية، أضف إلى ذلك مهمة تربية الأجيال، وصناعة المستقبل، وأكرم بها من مهمة، ولقد تجرّع المجتمع المسلم مرارة تقصير الأمهات في هذه الوظيفة الشريفة، حينما نشأ لنا جيل تربى على أيدي الخادمات والمربيّات، وقد تنكّر لوالديه أولًا، ولأحكام دينه وجميل عادات بلده وتقاليده ثانيًا.
إنه لن يكون لحديثنا داعٍ حينما نرى الزوجين يعيشان حياة الوئام والصفاء، يقوم كل واحد منهما بالحقوق الواجبة عليه تجاه الآخر، فالزوج ينفق كما شُرع له أن ينفق، والزوجة تمنحه من السعادة والأنس ما تنسيه به تعبه ونصبه، حتى إنك لا تسمع للماديات في كلامهم همس ولا حرف، تشرق عليهما أطياف المودة بكل ألوانها البهيجة، ولا أجمل من وصف حياتهم الهانئة من وصف الله تعالى لها حيث قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .
ولكن حينما يدب داء التقصير في زوايا البيت، تتسلل الخلافات إليه، لتعكر صفو السكن، وتحيل هدوءه إلى صخب وضجيج، فما أسباب الخلافات حول النفقة على الزوجة خصوصًا وعلى المنزل عمومًا؟ يمكننا بالاستقراء أن نلخصها في عدد من الدواعي: