فهرس الكتاب

الصفحة 12666 من 27345

أحمد فهمي

لن نستطيع أن نفهم حقيقة العلاقة الحالية والمستقبلية بين الدولة الشيعية الإيرانية وبين العراق في ظل الاحتلال الأمريكي حاليا ، إلا بإلقاء مزيد من الضوء على عالم المرجعيات الغامض والمعقد ، والذي تخفى على الكثيرين خفاياه وتأثيراته في عالم السياسة .. وللشيعة منذ نشأتهم طريقة خاصة في التعامل مع علماءهم ، فهم يقدسونهم إلى درجة كبيرة ، ويعتبرون أن تفخيم العلماء وإطلاق الألقاب الضخمة عليهم كمين بأن يحفظ لهم بقاء المذهب في ظل تعرضه لحملات من النقد والتهميش والكشف لفضائحه وانحرافاته عبر تاريخه الطويل ، ولذلك أسسوا لنظام المرجعيات المعروف ، وكانت حوزاتهم العلمية تقام في أي مكان يكون لهم فيه سطوة وسيطرة ، نظرا لما تتضمنه عقائدهم من مخالفات لا يمكن بحال أن ينتعش تدريسها في ظل أغلبية سنية ، والحال هكذا كانت مكانة العالم أو المرجع لدى الشيعة عالية ومرتفعة في كل زمان ، ولذلك كان الإقبال كبيرا من الشباب الشيعي المتطلع إلى طلب العلم في الحوزات لعله ينال المكانة السامقة التي لا تخلو من منافع مالية هائلة كما سيأتي .. ولكن كانت المشكلة في قلب الحل الشيعي ، فتقديس المرجعيات الدينية من ناحية ، وانتعاش نشاط الحوزات العلمية من ناحية أخرى ساهم في تعدد المرجعيات بصورة جعلت من الداخل الشيعي هشا ممزقا ، على خلاف ما قد يبدو للكثيرين ، ولذلك كتبت مجلة النيوزويك الأمريكية تصف المجتمع الشيعي العراقي من الداخل بالقول:"قد يبدو شيعة العراق من الخارج مجموعة متجانسة، ولكن عند النظر إليهم من الداخل يتبين أنهم يشكلون تركيبة معقدة وغاضبة من التنافس على المال والسلطة".. وكما قلنا لأن المجتمع العلمي الشيعي بصورته البدعية تلك لا يمكن أن ينشأ بحرية وينتعش أبدا في ظل الأغلبية السنية ، كان لا بد من السعي لتأسيس مجتمعات علمية واسعة النطاق والتأثير تعد بمثابة العاصمة العلمية للشيعة والقبلة الدينية لهم ، والمقر الطبيعي لعلمائهم ، وعبر التاريخ الشيعي وقع الاختيار على عدة مدن تتركز أغلبيتها في العراق وإيران باعتبار التواجد الشيعي الأكثر كثافة ، خاصة بعد الجهود الحثيثة للدولة الصفوية البدعية في إيران لتشييع الأكثرية السنية التي كانت موجودة حتى القرن العاشر الهجري .. وتأتي النجف بوصفها المرجعية الأكبر للشيعة باعتبارها من ناحية دينية مقر لقبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما يزعم الشيعة ، وقد تأسست الحوزة العلمية في النجف في القرن الخامس الهجري ويقودها حاليا علي السيستاني ويعتبر مرجعا أعلى للشيعة ، وقد خلف أبو القاسم الخوئي الذي توفي عام 1992 ، وقد تعرضت النجف باعتبارها القيادة الدينية للشيعة إلى حملات مستمرة من قبل النظام البعثي بسبب ميول زعماءها للتمرد والمطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتي ، وبرزت في هذا الصراع بين البعث والنجف أسر شيعية كبيرة مثل: أسرة الحكيم وأسرة آل الصدر التي قتل منها عام 1980 محمد باقر الصدر، وهو صاحب مؤلفات في الفكر الإسلامي بينها"فلسفتنا"و"اقتصادنا"، و محمد صادق الصدر الذي اغتيل عام 1999 بعد إصراره على إقامة صلاة الجمعة للشيعة وإمامتها في مسجد الكوفة ، وهو ما أثار غضب النظام الحاكم حينذاك خوفا من أن تتحول إلى حافز للتمرد .. وقد احتلت عدة مدن مكانة المرجعية لفترات قليلة مثل سامراء وكربلاء ومشهد ، لكن تبقى الأكثرية للنجف ثم لمدينة قم في إيران ، والتي أسسها الطوسي ، ثم انتعشت مع الدولة الصفوية ، ثم مع قيام الثورة الخمينية بتأسيس الدولة الشيعية الحديثة ، وكانت النجف وقتها تعاني من الحصار البعثي ، وتضاءلت مكانتها الدينية ونشاطها العلمي ، وحدثت هجرات كثيرة من رجال الدين الشيعي العرب إلى قم في إيران وهو ما مهد لسيطرة إيرانية على المرجعية الدينية في عالم الشيعة ، وهذا أمر له تبعاته السياسية الواضحة .. ورغم محاولة الرموز الشيعية إلقاء التراب على الصراع المستفحل بين مرجعيات قم ومرجعيات النجف خاصة بعد سقوط النظام البعثي في العراق ، إلا أن بوادره وجذوره لا يمكن إخفاؤها ، ويمكن أن نلخص أهم منابع الخلاف بين قم والنجف في عدة نقاط:

أولا: ولاية الفقيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت