فهرس الكتاب

الصفحة 7929 من 27345

السلطان عبد الحميد الثاني في الميزان

منال المغربي

ليس هناك من شخصية في التاريخ الإسلامي المعاصر لقيت من الظلم والإجحاف والإفتراء بقدر ما لقيت شخصية السلطان عبد الحميد الثاني، فقد صور من قِبل أعدائه اليهود والأرمن والاتحاديين بصورة السفاح، فالأرمن أطلقوا عليه في كتاباتهم لقب (السلطان الأحمر) * وأطلق عليه غلادستون* لقب (المجرم الكبير) ، وحملات التشويه بحقّه لم تسلم منها كتب بعض المؤلفين العرب التي صوّرت السلطان في صورة الطاغية مثل كتاب (الانقلاب العثماني) لجرجي زيدان، و (الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده) لسُليمان البسستاني... ولكنّ التاريخ أبى إلاّ ان يقول كلمته في حقِّ هذا الرجل الذي صمد في وجه اليهود والقوى الدولية الغاشمة صمود الأبطال وهو صابرًا محتسبًا حتى خُلع عن عرشه.

فمن هو السلطان عبد الحميد الثاني؟

ولد السلطان عبد الحميد الثاني يوم الأربعاء في 22 أيلول عام 1842م، توفيت والدته من مرض السلّ وهو في الثامنة من عمره، فاحتضنته الزوجة الثانية لوالده التي كان معروفًا عنها أنّها شديدة التدّين، وأسبغت عليه كل حنانها وعطفها وقد بادلها عبد الحميد هذا الحب فكان يقول عنها:"لو كانت والدتي حيّة لما استطاعت أن ترعاني أكثر من رعايتها" (1) ، وعندما توفيت أوصت بجميع ثروتها لابنها الذي أحبّته.

قضى السلطان شبابه يطلب العلم على عكس ما صوّره أعدائه بأنه كان شخصًا جاهلًا لا يعرف القراءة والكتابة إلا بصعوبه؛ فهو قد درس اللغة التركية والفارسية والعربية والفرنسية، وكان يقول الشعر كما كان شغوفًا بقراءة كتب التاريخ ومنها تاريخ الدولة العثمانية، بالإضافة إلى حبّه الشديد للمطالعة حتى أنّه أمر بترجمة المقالات والمجلات والصحف الأجنبية التي ترد إليه ليتمكّن من قراءتها (2) . أمّا بالنسبة لهواياته فهي متعدّدة منها: المبارزة بالسيف، والتهديف بالمسدس والسباحة والتجديف بالقارب وركوب الخيل والصيّد كما كان شَغوفًا بجمع الأسلحة النادرة، أمّا أبرز هواياته فكانت النجارة (3) .

وعبد الحميد معروف بتقواه وتمسُّكه بالدين ولم يُعرف عنه تركه للصلاة قط، أو إهماله للتعبّد وتقول عنه ابنته عائشة:"كان والدي يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها ويقرأ القرآن الكريم، وفي شبابه سلك مسلك الشاذلية وكان كثير الارتياد للجوامع لاسيما في شهر رمضان" (4) . والملاحظ في حياة الأمير هو البساطة الشديدة والابتعاد عن البذخ والإسراف والتبذير وقد استمرّت بساطته حتّى في أيام السّلطنة، ففيما كان الأمراء السابقون غارقين حتى اذقانهم في الديون واللهو والمُجون كان عبد الحميد هو الأمير الوحيد الذي لم يُشارك في تللك الأجواء، وامتاز عن أسلافه من السلاطين بأنه لم يستدن قرشًا واحدًا من أحد وبهذا عصم نفسه من أن يقع في حبائل أصحاب البنوك وجُلّهم من اليهود، ولكن أعداءه لم يتركوا الفرصة دون أن يقلبوا هذه الخصلة الحميدة إلى مذمّة فأطلقوا عليه في كتاباتهم لقب:"عبد الحميد البخيل" (5) .

ارتقى عبد الحميد الثاني عرش السلطنة يوم الخميس في 31 آب 1876 في ظل ظروف قاسية كانت تعصف بالدولة العثمانية من الديون التي كانت ترزح تحتها إلى تكالب الدول الأوروبية واليهودية التي كانت تنتظر موت الرجل المريض* لاقتسام ثروته لاسيما البترول (6) ، لذلك أوّل ما فعله أنّه سعى إلى رأب الصدع فجرى على سياسة الاقتصاد من أجل تحرير رقبة بلاده من قبضة الدول والمصارف الأجنبية حتّى أنّه تبرّع من ماله الخاص من أجل هذا الغرض فاستطاع تسديد القسم الأكبر من تلك الديون، وفي عهده تخرج جيلٌ كامل من المثقفين والمتعلمين من كليات وجامعات ومعاهد أسسها السلطان، وبدأت الدلائل تشير إلى عودة الصحة والعافية إلى جسد الرجل المريض ولكن وصول الاتحاديين إلى السلطة بمساعدة خارجية قضى على هذا الأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت