العالم الإسلامي الآن يموج بالفتن , الكل حائر خائف يتخبط بين ظلمة الجهل وسكرة الهوى , والأمة الآن تنشد الأمن الذي هو أعظم نعمة وقد امتن الله بها على قريش كما قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4) } [سورة قريش: 3-4]
فأمن بلاد الإسلام وظيفة كل مسلم ومن ذلك ينشأ أمن المسلمين , ففي هذه الفتن العارمة والظنون التي غلبت على أبناء المسلمين يجب على شباب الصحوة أن يقفوا مع علماءهم وقفة , وقفة طلب للنصح والاسترشاد لا وقفة كبر وعناد , فواقع الأمة مرير والوهن دب إلى البدن حتى أنك ترى أمة وهي تحتضر بعد أن كانت سيدة الأمم , فكيف يعود للأمة مجدها وكيف نجلب الأمن لها .
فهل نشر القلق والاضطراب والتفجير والتخريب يجلب لها الأمن وهل كل منكر أنا مطالب بتغييره , من كان يتخيل أن أعظم بقعة على ظهر الأرض وهي أرض الحرمين يحدث فيا الترويع والخوف والقتل تحت مسمى تغيير المنكر .
لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بين أصنام تعبد وبين أوثان يشرك بها مع الله , ورغم ذلك انظر كيف أزال هذا المنكر وكيف أزاحه , تخيل لو أمر النبي صلى الله عليه وسلم كل شاب أسلم أن يسطو على هذه الأصنام لكسرها ورؤوس الكفر فقطعها أكان يكون للإسلام وجود على ظهر الأرض , لقد حكم المسلمين بغاة وطغاة كالحجاج ومن على شاكلته وما رأينا أحدا من الصحابة خرج عيه أو أجاز الخروج وما رأينا قام بقتل وسفك إلا الخوارج الذين كانوا يسمون بالقراء .
فلا يجوز منازعتهم أو الخروج عليهم إلا بكفر واضح بين لا شبهة فيه .
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا . (1 )
الأمة الآن تنشد من أبناءها علما وفهما , تطلب منهم دين وتقوى وعبادة , تطلب منهم صبرا على حكامهم وأمرائهم وإن رأوا منهم جورا مع دعوتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر من قبل العلماء .
قال سفيان الثوري: لا يأمر السُّلطان بالمعروف إلا رجلٌ عالم بما يأمر ؛ عالم بما ينهى ، رفيق فيما يأمر ؛ رفيق فيما ينهى ، عدل فيما يأمر عدل فيما ينهى . ( 2)
وعن عبد الرحمن بن مهدى أيضا قال: سمعت سفيان يقول: إني لأدعو للسُّلطان _ يعنى _ بالصلاح , ولكن لا أستطيع أن أذكر إلا ما فيهم . (3 )
من يأمر ومن ينهى ؟!
الأمر بالمعروف له فقه لابد أن ينزل منازله , فليس أمر العامة كأمر الحكام والأمراء , وليس أمر العالم كالجاهل .
فهذا فرعون على عتوه وطغيانه , أرسل الله إليه موسى وهارون , وأمرهما سبحانه وتعالى بلين القول , وخفض الجناح حتى يستمع لحجتهما , بخلاف ما لو أمراه ونهياه وزجراه ؛ إذ لو تم ذلك لسُدَّ باب السماع والبيان .
قال تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) } [سورة طه: 43-44]
فالله عز وجل يعلم أن فرعون لن يؤمن , ورغم ذلك أمر موسى باللين معه ليكون أبلغ في قبول الحجة .
ولذلك قال سبحانه مخاطبا لهما: {فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) } [سورة طه 20/47]
فتدرجا في البيان والطلب حتى استمع فرعون إلى الحجة كاملة .
عن الوليد بن مسلم قال سفيان الثوري: لا يأمر السُّلطانَ بالمعروفِ إلا رجلٌ عالم بما يأمر ؛ عالم بما ينهى ، رفيقٌ فيما يأمر ؛ رفيقٌ فيما ينهى ، عدلٌ فيما يأمر عدلٌ فيما ينهى . ( 4)
وكذلك الجاهل يعامل بخلاف من عنده علم , كما في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ , فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ , فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْ مَهْ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُزْرِمُوهُ , دَعُوهُ , فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ , ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ , وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ , أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ . (5 )