فهرس الكتاب

الصفحة 17298 من 27345

صرخة أسير

أبتاه إني في قيودي مُثقلُ *** و الأرض تحتي يا أبي تتزلزلُ

فالقيد يُثقِلني إذا أنا أرتقي *** و السَّوطُ يَلسعني إذا ما أَنْزِلُ

و تنوش جِسْمي المُكْفَهِرَّ فتُدْمِهِ *** تِلْكَ الكلاليبُ التي تتسلسَلُ

من عاتقي المكلومِ حتى أخمَصِ الـ *** قَدَمَينِ وَيحَ الرِّجْلِ إذْ أَتَنقَّلُ

و إلى المنون أُقادُ لا مِن جُنحةٍ *** كلاّ و لا ذَنْبٍ جَنَيْتُ فأُقْتَلُ

و أثُورُ كالبُركان حينَ تذكُّري *** أمًّا تنوحُ عليَّ أو تَتَململُ

و تجودُ بالعَبَرات وَيْحَ فؤادِها *** قد كَلَّموهُ فجُرحُه لا يُدمَلُ

و يلُوحُ في الآفاق طيفُ قرينةٍ *** تَبكي و يصرُخُ مِن وراها الأنجُلُ

فكأنًّ أنجالي و قد فارقتُهم *** زَهْرٌ أمامَ العادِيات سيذبُلُ

أبتاه فاستوصِ بهم فيما بقي *** فَلَنِعمَ من يرعى و من يتكفّلُ

مَن يخلُف الغازي بُعَيدَ رحيلهِ *** في أهله فله الجزاء الأجْزلُ

هذي بِشارةُ أحمدٍ خيرِ الورى *** خبرًا رواه لنا الرعيلُ الأوَّلُ

أمَّا أنا أبتاه فاختَرتُ التي *** قد هابَها جُلُّ الورى و تخاذلوا

و شهَرتُ في وجهِ الطغاةِ مبادِئًا *** أمضى من السيفِ الشهير و أصقلُ

فلقد سئمتُ من الهوان و لم أكُن *** إلا على درب الهدى أستبسِلُ

ألأنني رُمتُ الحياة كريمةً *** و حَيِيتُ ليثًا مِن وراه الأشبُلُ

ذُعِرَ الطغاةُ و زُلزِلتْ أركانُهم *** و انتابَهم فَرَقُ السقوطِ المُذهِلُ

فتواثبوا نحوي بكلّ مكيدةٍ *** و تعاهدوني بالقيودِ و كبَّلوا

و استاقني الجلاّد يُلهبُ أضلُعي *** بسياطِه فتخورُ منِّي الأرجُلُ

و أحاط بي مثلَ السِّوار جنودُه *** بسلاحِهِم و أنا الوحيد الأعزَلُ

يخشون إيمانًا يثور بداخلي *** فيحَطّمُ الأوغاَد إن هُم أقبَلوا

كم ساوموني بالوعود لأرتجي *** عفوًا من الطَّاغوت أو أتوسَّلُ

أنا لستُ ذا ذنبٍ فأرجو عفوَ مَن *** هتفوا له متملِّقينَ و بجَّلوا

ذاك الذي سامَ العبادَ بِبَطْشِهِ *** سوءَ العذاب و بات منهم يهزَلُ

و أذاقهُم ذُلَّ الصَّغارِ و لم يَزَل *** متغطرسًا في المُلك لا يتحوَّلُ

و يجود بالشعب المعنَّى كُلِّه *** بينا بكُرْسِيِّ الإمارة يبخَلُ

فإذا أبى ذاك الهوان موحّدٌ *** صرخ ( المناضِل ) كبِّلوه أو اقتُلوا

فانقادت الأُمَم التي قد سامها *** سُوءَ العذاب على خُطَاه و أَقبَلوا

و أبيتُ أن أشري الحياة بما أرى *** فيهِ عنِ القِيَمِ العِظامِ تنازُلُ

فإذا زبانيةُ الطُّغاةِ تُحيطُني *** بجموعِها و إلى الدَياهِبِ أُنقَلُ

و استَصْدَروا بالشنقِ أمرًا عاجلًا *** ما ضَرَّهم لو فيهِ لم يتعجَّلوا

أيُهيبُهم مني الفرارُ و ما دَرَوا *** أنِّي إلى دار الخلود سأرحَلُ

لا تعْدِلُ الدُّنيا جَناحَ بعوضةٍ *** أإلى الحياة عن الشهادةِ أعدِلُ ؟

قد مزَّقوا سِتري الصقيل فلا تَرى *** إلاّ رقاعًا فوق جسميَ تُسدَلُ

لا تحسبَنَّ رِقاعَهُم ستَلُفُّني *** أو تحسبّنِّي بالبياضِ سأرفُلُ

فدِما الشهيدِ إذا قضى أكفانُهُ *** و أنا بأكفان الدِِّما أتسربَلُ

لو يُدرِكُ الجَلاّدُ سِرَّ تبسُّمي *** في وجْهِ هاتيك المنون سيُذْهَلُ

إنَّي إلى حتفي أسيرُ مقيَّدًا *** لولا وثاق البؤسِ كنتُ أهروِلُ

هذي القيودُ تُعيقُني و تحُدُّ مِن *** وَثْبي إلى ما قد حييتُ أُأِمِّلُ

فمُنايَ أن أقضي شهيدًا مؤمنًا *** و أَمامَ ربِّي بالشهادة أمثُلُ

وإلى ضِفافِ العرشِ آوي كلَّما *** خَفَقَتْ بأجنُحِها الطيورُ و أُقبِلُ

نَيْلُ الشَّهادةِ رأسُ كلِّ فضيلةٍ *** مَنْ نالها فلهُ الثواب الأجزَلُ

و الله يجمعنا و يحكُمُ بيننا *** بالعدلِ مَنْ غيرُ المهيمنِ يعدِلُ

و بحمدِ ربي و السلام على النبي *** أبتاهُ أختِمُ ما أقولُ و أُكمِلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت