فهرس الكتاب

الصفحة 19488 من 27345

د. إبراهيم عبد الصادق محمود*

تمهيد:

بما أنّ الوظيفة العامة (الولاية العامة) هي البنية الأساسية التي يقوم عليها التنظيم الإداري في سائر النظم السياسية، والإدارية، والاجتماعية - قديمًا وحديثًا - فهي عنصر شديد الارتباط بمفهوم الدولة، في كل زمان ومكان، لكونها تجسيدًا لمظهر السلطة العامة في المجتمع. والدولة الإسلامية ليست استثناء.

معنى الولاية العامة:

ذهب الفقهاء في تعريف الولاية العامة بأنها:"صلاحية أو استحقاق شرعي، أسبغه الشارع على كل مكلف من أفراد المسلمين، وأن هذا الاستحقاق أو تلك لصلاحية نابعة من تكليف الشارع للمسلمين بإقامة أحكام الدين، بما تتضمنه من تدبير المصالح العامة، وراجعة إليه (1) "ثم إنّ هذا الاستحقاق وتلك لاصلاحية منوطة بوصفي"الإسلام والتكليف، والكفاية"وأنه بالنسبة لموضوع الولاية ككل يعتبر أمرًا واجبًا، وفرضًا على الكفاية، ينبغي على كل فرد"قادر"من المسلمين أن يقوم به، وفقًا للقواعد التي يقتضيها موضوع الولاية نفسه، طبقًا لأحكام الشريعة، ومن ثمّ تدخل فيما يسمية الفقهاء بأهلية المقارنة للتكليف دون أهلية الوجوب التي لا يشترط فيها التكليف، فتصح من"الصبي"ونحوه استنادًا إلى أنّ الوجوب خبر ليس للعبد فيه اختيار حتى يعتبر فيه العقل والتمييز، وإنما يعتبر التمييز، والتمكّن في وجوب الأداء، وذلك حكم وراء أصل الوجوب (2) .

وفرع الفقهاء على ذلك تعريفًا آخر للولاية بأنها:"القدرة الشرعية على التصرف النافذ الصحيح، وهذه القدرة تثبت إذا توافرت في المولّى صفات الاهلية، من البلوغ، والعقل، والرشد، والاختيار (3) على أنّ التصرف العام"الولاية العامة"ينبغي أنْ يكون مقيدًا بالشرعية بحيث يكون من جهة ذات اختصاص، ومستندًا على القدرة على النفاذ، مستهدفًا تحقيق المصلحة العامة فلا يحل للموظف العام كما يقول الإمام القرافي:"التصرف إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة، في حدود مضمون عقد الولاية بحيث يكون معزولًا فيما سوى ذلك" (4) علمًا بأنّ سائر الولايات في النظام الإسلامي تنبثق عن منصب الإمامة (رئاسة الدولة) ."

هذا وقد قسّم العلماء الولاية بعدة اعتبارات (5) :

• ولاية ذاتية، وولاية مكتسبة.

• عامة، وخاصة.

• ولاية على النفس أو ولاية على المال... الخ.

• قاصرة ومتعدية.

ثم وجهوا القول في كل قسم منها حسب مقتضى الحال.

والذي يهمنا في هذا البحث هو"الولاية العامة"من حيث إنّها - كما يقول الدبوسي - مُكْنة شرعية (6) لمباشرة نشاط معين، أو تصرف عام، لتحقيق جانب من جوانب التكليف العام، أو الوفاء بأحد المقاصد الشرعية، وذلك لا يتم إلاّ بتوافر قدر من السلطة العامة - حسب الاصطلاح القانوني المعاصر - أو المُكنة، والسلطان، والقدرة على النفاذ في الاصطلاح الفقهي.

ولن نخوض في هذا البحث في تفصيل الولاية العامة، إلاّ من حيث أهميتها، وارتباطها بالموظف العام، الذي يتعلق بحثنا بجانب من جوانب هذا الارتباط، وهو"صلاحية"المرء ليصبح موظفًا عامًا يستطيع النهوض بأعباء تلك الولايات، ولن نخوض كذلك في تفصيل شرائط الموظف العام، ولا في كيفية قيامه، بما يُكلف به من حصص أعمال، وسلطات، ولا عن طبيعة علاقته بالدولة، أو مركزه وصحة تصرفاته، وشرعية أفعاله، ولا الضمانات والحقوق التي كفلها له النظام الإسلامي، لأنّ كل جانب من هذه الجوانب يصلح أن يكون بحثًا مستقلًا (7) .

الولاية العامة والوظيفة العامة:

لا مراء أنّ مفهوم"الوظيفة العامة"يلتقي مع مفهوم"الولاية العامة"في إطار أنّ كلاّ منهما ينطبق على سلطة الحكم، والتدبير، أي الاستحقاق الشرعي للتصرف، وفق ضوابط وحدود تهدف إلى تحقيق مصالح عامة على النحو الذي يكيفه النظام، في ضوء فلسفته وأهدافه، وقد استعملها"ابن تيمية"وغيره من العلماء بهذا المعنى وتشمل جميع الولايات، ومراتب الحكم (8) من الإمامة العظمى، حتى أصغر الولايات، أو الوظائف العامة، كما نسميها في هذا العصر (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت