فهرس الكتاب

الصفحة 16787 من 27345

الشيخ: عبد الحميد الكبتي

المسلم الذي يحمل هم الإسلام والدعوة إليه ، لا يفتأ متحركا به باذلًا كل ما يقدر في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى ، يكون عاليا في دعوته وعزته به ، حتى يظفر بكلمة الله هي العليا في واقع ينافس في عرصاته .

تلك العرصات الصاخبة بكثير من الصيحات لأهلها ؛ منهم من هو على المحجة البيضاء ، ومنهم من يتبع خطوات شيطان رجيم ، وبين صياح هذا و وسوسة ذاك ، درجات من الهمس والبوح والكلام ، والتزويق .

وما الحياة وساحاتها وتعدد الصيحات والهتافات فيها ، إلا كسوق كبير مترامي الأطراف ، يقصده الناس بحسب مقاصدهم ؛ فيه التاجر الأمين الذي يريد الكسب والخير للناس ، وفيه الباحث عن سلعة له ولآل بيته ، وفيه من يريد الشراء لأيتام يعولهم ، أو محتاجين يعينهم ، وفيه النصّاب الذي يقتات من الحلف الكاذب ، وفيه الغشاش المزور ، وكذا تجد في سوق الدنيا مَن يحبه كل أهل السوق ، ومن هو البعيد الجافي ..

كذا تعامل الناس في الحياة مع سلعهم وأهدافهم ؛ كلٌ له مأرب يسعى له ، ويبرز العفيف الطاهر ، الذي يترفع عن وسخ الدنيا كأنما يرفع ثوبه ؛ كي لا يتلوث بما سقط في سوق الناس وعفن البضائع ، الجميل الطلعة المبتسم الثغر ، الذي يقصده كل محتاج ويحبه كل شريف .

فهو يعلم يقينا أين تعقد الصفقات الناجحة وما هي مواصفاتها ، ولن يدخل إلا في تجارة رابحة ؛ إذ هو المؤمن العفيف ، ويناديه ربه سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) 10 ـ 12: الصف .

هذه هي تجارة المسلم الواعي في دنيا السوق ؛ همه أن يكون هاديا مهديا ، ولن يقبل بأقل من ذلك ، ويلح على الله بذلك ، وينشده ويطلب مظانه ، يحرص على النجاة من عذاب أليم ، ويسعى لمغفرة ودخول جنان سامقة ، ينشد الفوز العظيم ويخشى من التجارة الخاسرة ؛ ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ) 17: البقرة . يخاف من هذا الحال التعيس في الشراء ، ويخشى أن يستبدل الذي هو أضل ، بالذي هو أهدى سبيلا ، فكرًا وسلوكًا وعاطفةً وحبًا وعملا ، فيهرع إلى شراء يعرضه الرب الكريم ، مرتلًا قول الله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) 111: التوبة . باع أمره ونفسه ووقته وماله لله عز وجل ، ونِعم البيع ، ولنِعم المشتري سبحانه في علاه ، فهو الفائز العظيم في سوق الناس في الدنيا وفي صراطهم يوم التغابن ؛ لأنه موعود بالجنة .

يدخل السوق ويبدأ في البيع والاتجار الرابح ، لا يخاف البوار في سلعته ، ولا الكساد في بيعته ، داخلا ميدان الجد والعمل والسعي لإتمام في بيع مع الله ؛ ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ) 29: فاطر . وليس هو الترتيل فقط ، وإنما هو الرجل العملي الذي لا يلهيه أهل سوق الدنيا ، ضاربا المثل العالي في الالتزام ببيعته مع الله ؛ ( رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) 37: النور . هذا في تجارة عابرة في السوق الدنيوي .

أما لو عرض عليه المبادلات الكبيرة ، والعقود الضخمة ، فله في سيدنا صهيب القدوة الحسنة ؛ فحين ساومه أهل مكة على أن يمسكوا ماله لو هاجر بدينه ، فإن بقي أعطوه ماله ، اختار البيع الرفيع العالي ، وقدم على النبي عليه الصلاة والسلام ، فحين كان الرسول جالسًا وحوله بعض أصحابه؛ حين أهلَّ عليهم"صهيب"، ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهللًا:"ربح البيع أبا يحيى..!! ربح البيع أبا يحيى..!! وآنئذ نزلت الآية الكريمة: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) 207: البقرة ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت