فهرس الكتاب

الصفحة 25429 من 27345

أ.د/

جابر قميحة

لقد صدق حجة الإسلام أبو حامد الغزالي إذ قال في كتابه «إحياء علوم الدين» : «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما القطب الأعظم في الدين, وهو المهمُّ الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين. ولو طُويَ بساطه, وأُهمل علمه وعمله, لتعطلت النبوة, واضمحلت الديانة, واستشري الفساد, واتسع الخرق, وخربت البلاد, وهلك العباد..»

ومن هنا كتب الله الخيرية -أو الأفضلية- لأمة المسلمين (كنتم خير أمة أخرجت للناس, تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [آل عمران: 110] .

وعلي هذا الأساس تقوم الوحدة والأخوة الصادقة والولاء الحقيقي (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, ويقيمون الصلاة) [التوبة: 71] .

دعوة الحق: تواصل وخلود

والانسلاخ من هذه الدعوة -قولًا وعملًا- يعني المروق من الإسلام الذي وصفه الله بـ (الحق) في عشرات من الآيات منها:

- (هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق, ليظهره علي الدين كله, ولو كره المشركون) [التوبة: 33] .

- (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل, وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) [الإسراء: 105] .

- (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله, ولا تكن للخائنين خصيما) [النساء: 105] .

- (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم, فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض وكان الله عليما حكيما) [النساء: 170] .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجه للمسلمين جميعًا: حكامهم, ومحكوميهم, خاصتهم وعامتهم, كل في مجاله بقدر استطاعته: اعتناقا وأداء, قولا وفعلا, حماية ودفاعًا. والمعروف أن العلماء هم ورثة الأنبياء, وبقدر علمهم تثقل مهمتهم, ويخشون الله حق خشيته (.. إنما يخشي الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) [فاطر: 28] . والخشية هنا لا يكفيها الجانب الاعتقادي, والشعور النفسي, ولكنها -زيادة علي ذلك, وزيادة علي التأمل والاتعاظ والاعتبار- تأخذ صورتها العملية التطبيقية في أخذ النفس بالطاعات, واجتناب المحرمات, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, والدفاع عن دين الحق, ومواجهة أعدائه بكل ما يملك العالم من وسائل, وقدرات وإمكانات.

صور وضيئة من الماضي

وفي تاريخنا كثير من العلماء الشامخين الذين لا تأخذهم ولا ترهبهم في الله لومة لائم, ولا يحرصون علي إرضاء حاكم, أو الحصول علي مغنم دنيوي. وفي هذا السياق نذكر ما حدث في عهد الخديوي إسماعيل (1830- 1895م) , فقد توالت الهزائم علي الجيش المصري في الحبشة, فأشار عليه «شريف باشا» بأن يقوم شيخ الأزهر (الشيخ العروسي) بجمع علماء أطهار لقراءة صحيح البخاري في الأزهر بصفة دائمة, وقد كان, ولكن الهزائم ظلت تتوالي علي الجيش المصري, فصرخ فيهم الخديوي قائلًا: «إما أن الذي تقرءون ليس صحيح البخاري, وإما أنكم لستم علماء صالحين تُدفع بهم المحن» .

ولكن شيخًا من آخر الصف نهض, وقال بأعلي صوته: «بل أنت السبب يا إسماعيل» فإنا روينا عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «لتأمرُنّ بالمعروف, ولتنهوُن عن المنكر, أو ليسلطن الله عليكم شراركم, فيدعو خياركم, فلا يستجاب لهم» . ودار بين الخديوي والعالم الحوار التالي:

-وماذا فعلنا حتي ينزل بنا هذا البلاء?

-يا أفندينا.. المحاكم المختلطة تبيح الربا بقانون, والزنا مباح برخصة, والخمر كذلك مباح... و.... و.... فكيف تنتظر النصر من السماء?

-وماذا نصنع, وقد عاشرنا الأجانب, وهذه مدنيتهم?

-إذًا ما ذنب البخاري? وما حيلة العلماء?

ففكر الخديوي مليًا, وأطرق طويلًا, وهو يردد: صدقت.. صدقت.

وإليكم.. الإمام النووي

دفعتني هذه الصورة الشريفة النبيلة لعالم مصري من المجاهيل في مواجهة الخديوي إسماعيل, إلي تذكر موقف محيي بن شرف الدين النووي الذي وقف في وجه الظاهر بيبرس (الذي حكم من سنة 658- 676هـ) (1260- 1277م) وقد طلب منه التوقيع علي فتوي بقية الفقهاء بجواز أخذ السلطان مالا (ضريبة) من الرعية تعينه علي قتال التتار, وهو سائر إلي قتالهم في الشام.

رفض الشيخ في قوة وإصرار, وقال للسلطان الخارج بجيشه للجهاد في سبيل الله: «أنا أعلم أنك كنت في الرق (عبدًا) للأمير «بندقدار» , وليس لك مال, ثم منَّ الله عليك, وجعلك ملكًا, وعندك ألف مملوك, كل منهم له حياصة (حزام الدابة) من الذهب, وعندك مائتا جارية, لكل جارية حُقّ (علبة) من الحلي, فإذا أنفقت هذا كله, أفتيك بأخذ المال من الرعية».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت