فهرس الكتاب

الصفحة 5802 من 27345

مقدمة:

من المسلم به أن الكلام يتألف من كلمات أو أجزاء , وليس من الممكن النطق بأجزاء أي كلام دفعة واحدة .من أجل ذلك كان لا بد عند النطق بالكلام من تقديم بعضه وتأخير بعضه الآخر .وليس شيء من أجزاء الكلام في حد ذاته أولى بالتقديم من الآخر .لأن جميع الألفاظ من حيث هي ألفاظ تشترك في درجة الاعتبار, هذا بعد مراعاة ما تجب له الصدارة كألفاظ الشرط والاستفهام . وعلى هذا فتقديم جزء من الكلام أو تأخيره لا يرد اعتباطًا في نظم الكلام , وتأليفه وإنما يكون عملًا مقصودًا يقتضيه غرض بلاغي أو داع من دواعيها .

إن ما يدعو بلاغيًا إلى تقديم جزء من الكلام هو هو ذاته ما يدعو بلاغيًا إلى تأخير الجزء الآخر . وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يكون هناك مبرر لاختصاص كل من المسند إليه والمسند بدواع خاصة عند تقديم أحدهما أو تأخيره عن الآخر , لأنه إذا تقدم أحد ركني الجملة تأخر الآخر , فهما متلازمان . (1)

إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قدمته في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث أنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإنا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلًا يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير.

فإذا قيل لك مثلًا: لماذا قدم السماء على الأرض هنا؟ قلت لأن الاهتمام بالسماء أكبر ثم إذا قيل لك ولماذا قدم الأرض على السماء في هذه الآية قلت لأن الاهتمام بالأرض هنا أكبر، فإذا قيل: ولماذا كان الاهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الاهتمام بالأرض هنا أكبر؟وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الاختلاف بين الموطنين بحيث تبين أنه لا يصح أو لا يحسن تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء أو تقديم السماء على الأرض فيما قدمت فيه الأرض بيانًا شافيًا. وكذلك بقية المواطن الأخرى ,ولم يكتف القرآن الكريم بمراعاة السياق الذي وردت فيه فحسب بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فنرى التعبير متسقًا متناسقًا مع غيره من التعبيرات (2) .

أسباب التقديم والتأخير في القرآن:

قال السيوطي:أما أسباب التقديم والتأخير وأسراره فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع:

الأول:التبرك كتقديم اسم الله في الأمور ذوات الشأن .ومنه قوله: )شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَا( [آل عمران:18] .

الثاني: التعظيم ,كقوله: ) وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ( [النساء:69]

الثالث: التشريف, كتقديم الذكر على الأنثى في نحو: ) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات( [الأحزاب:35] الآية.

والحي في قوله: )يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ .... ( [الروم:19] والخيل في قوله:) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ( [النحل:8] والسمع في قوله: ) إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَاد( [الإسراء:36] .

حكى ابن عطية عن النقاش أنه استدل بها على تفضيل السمع على البصر (3) ,ولذا وقع في سمعه تعالى:) سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( [الحج:61] بتقديم السمع.وتقديم موسى على هارون لاصطفائه بالكلام وتقديم المؤمنين على الكفار في كل موضع .وأصحاب اليمين على أصحاب الشمال .والسماء على الأرض.والشمس على القمر.ومنه تقديم الغيب على الشهادة في قوله:) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة ( [المؤمنون:92] لأن علمه أشرف(4) .

الرابع:المناسبة,وهي إما مناسبة المتقدم لسياق الكلام ,كقوله:) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ( [النحل:6] فإن الجمال بالجمال وإن كان ثابتًا حالتي السراح والإراحة إلا أنها حالة إراحتها ,وهو مجيئها من المرعى آخر النهار ,يكون الجمال فيها أفخر ؛إذ هي فيه بطان ,وحالة سراحها للرعي أول النهار يكون الجمال بها دون الأول ؛إذ هي فيه خماص.

الخامس:الحث عليه والحض على القيام به حذرًا من التهاون به؛كتقديم الوصية على الدين في قوله:) مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن( [النساء:11] مع أن الدين مقدم عليها شرعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت