فهرس الكتاب

الصفحة 4058 من 27345

الإسلام شريعة الأمل العالمي

بقلم: الأستاذ إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي

تناولنا كيف جاء الإسلام بشريعة شَملت الوجود الإنساني كله ، ففيها المرونة والحكمة مايُسَاير الوجود الإنساني في كل زمان ومكان وإن لم يضع نظامًا للدولة ولم يأخذ بنظرية للحكم ، إلا أن الادارة التي قامت عليها الجماعة الإسلامية الأولى ، ثم ما جاءت به الشريعة من مبادئ السلوك وقواعد المعاملات والعلاقات الاجتماعية والشورى.. كل ذلك أدى إلى أن يكون الإسلام شريعة الوجود في كل زمان ومكان .

ولقد وضع الإسلام من القواعد ماتستقيم به الحياة على أي نمط سَوي لايبغي من ذلك غير خير الحياة وخير الإنسان ، وأول ما نستشفه من تلك القواعد صفاء جوهرها وصدقها وأنها تبقي توقير الحياة وإعلاء الكرامة الإنسانية وأنها أوفت لهما على الذروة من خلال الحق وتقديس الحياة (1) . ثم إن الإسلام وضع قواعد لاتتصادم مع نواميس الكون ولا مع نظام الحياة ولامع نظرة الناس وهذا ماسنراه الآن من خلال هذا الفصل .

أولًا: حقوق الإنسان في الإسلام:

الإسلام ينظر إلى حقوق الإنسان على أنها ضرورات لاستمرار الجوهر النقي للإنسان ، وسبق الإسلام النظم الوضعية التي لم تدرك جوهر حقوق الإنسان إلا بعد الحرب العالمية الثانية عام 1948 بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (2) .

وإذا كانت الحقوق الإنسانية في الإسلام ضرورة فهي ضرورة فطرية للإنسان من حيث هو إنسان وإسلامنا هو دين الفطرة التي فطرنا الله عليها فمن الطبيعي أن يكون الكافل لتحقيق هذه الحقوق (3) .

بل أن الإسلام يُقَدس هذه الضرورات الإنسانية الواجبة إلى الحد الذي نراها الأساس الذي يستحيل قيام الدين بدون توفرها للإنسان ، فعليها يتوقف الإيمان ومن ثم التدين بالدين والتمسك بالإسلام .

ومن هذه الحقوق التي يقدسها الإسلام:

1-ضمان الحياة وكرامة البشر: فلقد أعلى الإسلام من شأن الحياة وكرامة البشر. وذلك بأن تقوم السياسة على أسس ثابتة عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهما أسس تَرقَى إلى درجة الالتزام، وإن لم يُشر الإسلام إلى نوع من التنظيم السياسي أو الإداري الذي تقوم عليه ، فلأنه لم يشأ أن يُلزم الناس بنظام ثابت لايجوز مخالفته حتى لايكون حجة من بعد (4) ، فالنظم تتغير وفقًا للزمان والمكان ، أما الروح التي تحكم هذه النظم فهي الباقية وهي المُلزمة وهي الروح التي يقوم عليها الفلسفات السياسية في كل العصور على اختلاف تنظيماتها ، إذ لايختلف عليها إنسان لأنها تنشد خير الإنسان وصالح الجماعة الإنسانية .

وكرامة الإنسان في الإسلام من كرامة الإسلام ذاته فلا يمكن أن يحتقر إنسان مسلم ولا أن يُهَان ، فالكرامة كرامة إنسانية عامة (5) .

2-حرية الارادة: الإسلام يعترف بحرية كل فرد وبالتالي يعتبره مسؤولًا شخصيًا عن أفعاله كما قال تعالى ?وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِّزْرَ أُخْراى? (6) ، فليس هناك إلا حرية واحدة تُهَيمن على حرياتنا وهي حرية الله المطلقة ، بيد أن الله قد نظم العالم طبقًا لقوانين ربانية قادرة على فهم الإنسان (7) .

وتختلف الارادة الحُرة في الإسلام عنها في الفكر الغربي والشرقي ، فيذهب الفكر الإسلامي إلى تقرير المسؤولية تبعًا للارادة الحرة والإدراك الكامل لعلاقة الإنسان بالكون وهي علاقة أزلية غير خاضعة للزمان والمكان ، والإرادة الإنسانية حرة ، والإنسان مسيطر مطلق في نطاق وجوده المحدود (8) . وقد زانه الله بالعقل ?بَلِ الإِنْسَانُ عَلى نَفْسِه بَصِيْرَةٌ وَّلَوْ أَلْقاى مَعَاذِيْرَه? القيامة آية 14، 15.

وخلاصة القول بأن الحرية في الإسلام هي"ضرورة إنسانية واجبة"وفريضة إلهية بغيرها لن تتحقق حياة الإنسان كإنسان وهي واجبة لتحقيق وصيانة الحياة التي هي واجبة . كما أنها فريضة إلهية وتكليف واجب على الإنسان يستلزم حريته واختياره (9) .

3-المساواة والعدالة: لايقف الإسلام ضد التقدير الاجتماعي ، ولم يُعْرف عنه أنه اتخذ جانب السلطة ضد الفقراء والكادحين ؛ بل كان عونًا لهم على حقوقهم فأنصفهم قبل أن يَنْصفوا أنفسهم ومن القضاء من وقف في الحق لضعيف ضد الخليفة نفسه، وأنكر الإسلام الطبقية حين نبذ القبلية والعنصرية والتفاخر بالأنساب والأحساب والجاه وسعة الرزق ، والإسلام لم يُنْكر التفاوت في المآثر وفي التمييز العقلي والخلقي ؛ ولكنه سَوىَّ بين الناس جميعًا في إخوة إسلامية جامعة ، ونَبَذَ القبلية والشعوبية ونادى بالدولة العالمية التي تَسود فيها شريعة الحق وقوض تراكم رأس المال والملكية الخاصة بما قرره من أحكامها وسدد ضربة قاضية للرق ، فلم يكن من اليسير في عالم تغلغل الاسترقاق في كيانه تحرير الارقاء تحريرًا كاملًا ؛ ولكن الإسلام وضع السُنَنْ لتحرير الرقيق والقضاء على تلك العادة المرزولة (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت