فهرس الكتاب

الصفحة 10612 من 27345

المسلمون في فجر القرن الوليد - 22

أولًا - الحفاظ على الذاتية الإسلامية:

مع مطالع القرن الخامس عشر الهجري يجد المراقبون أن المسلمين يتقاربون اليوم في عدة مفاهيم أساسية يكادون يلتقون عندها ويكونون بها منطقًا"جديدًا فيه طابع الأصالة وعلامة التحول من عصر التبعية إلى عصر الرشد الفكري. ولقد كان للتجارب التي مرت بهم خلال القرن الرابع عشر أثرها الواضح في هذا الفهم الجديد الذي يقرب بهم من الحقيقة بعد أن دفعوا ثمنها غاليًا من الزمن والأنفس والأموال، وقد كانت بينة في كتاب ربهم ويبن أيديهم من قبل ولكنهم كانوا عنها غافلين، لم يستطيعوا استيعابها إلا بعد أن حزت في نفوسهم وتركت موضعها وعليه أثر كدمات الدم."

أولًا: لقد تبين للمسلمين أن جريهم وراء أسلوب العيش الغربي واندفاعهم وراء بريق الحضارة المنطلقة وراء شهوة الفم والبدن هو غواية الأمم الغربية لهم بهدف تبديد ثرواتهم وتحطيم معنوياتهم والقضاء على القوة النفسية والجسمية التي أعطاها لهم الإسلام بالاستقامة والصلاة ليكونوا قادرين على مواجهة الأحداث، مرابطين في الثغور حتى لا يفاجئهم غزو العدو ومن هنا فقد أخذوا يتحولون إلى بناء مستقبل بلادهم بهذه الثروات لتكون لهم قوة دائمة على الزمن.

ثانيًا: اكتشفوا أن مناهج السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية التي قدمها لهم الغرب (بشقيه) خلال القرن الماضي لم تكن إلا تراكمات مجتمع آخر مختلف ونتيجة تحولات في عقائد وثقافات تختلف اختلافًا واضحًا عن المجتمع الإسلامي، وهي ثمرة تكوين نفسي واجتماعي وعقلي تنازعته وثنية اليونان والرومان، وتفسيرات المسيحية، واستعلاء العقل والعلم بعد كشوف الطبيعة، وقد تشكلت في مجتمع لم يكن من دينه"منهج حياة"أو"نظام مجتمع"فإن المسيحية حين عبرت من الشرق إلى الغرب عبرت على هيئة وصايا وعبادات وتراتيل فكان أهلها في حاجة إلى أسلوب عيش امتد سريعًا بين الرأسمالية واللبرالية والماركسية والوجودية والقومية والإقليمية دون أن يجد منها بعد تجربة السنوات الطوال إلا مزيدًا من الصراع والاضطراب.

ومن هنا فقد كانت مؤامرة نقلا هذه الإيديولوجيات إلى بلاد الإسلام التي تملك أعظم منهج رباني جامع خالد أضحوكة التاريخ والأجيال، إذ كيف يقترض من يملك هذا المجد الأمثل فتات الأمم ومحاولات العقول البشرية القائمة على الهوى والظن والتي لم تثبت في مجال التجربة بل لقد كشفت أبحاث العلماء عن فساد هذه الإيديولوجيات في بيئاتها التي نبتت فيها ولم تحقق مطامح النفس البشرية وخلقت ما يسمونه أزمة الإنسان المعاصر فكيف تصلح هذه لبيئات أخرى تختلف أشد الاختلاف.

ثالثًا: آمن المسلمون بعد تجربتهم الطويلة مع الغرب إن حضارة الغرب ليست هي الأسلوب الأصلح لامتلاك الإرادة، ولتحقيق افتقاد المسلمين مكانتهم في الأرض، وإنما الأسلوب الأصلح هو التماس منهج القرآن وتطبيق شريعة الإسلام، فهذه هي"العروة الوثقى"التي كلما التمسها المسلمون على طول تاريخهم نجوا بها من أزمة التبعية والنفوذ الأجنبي وسلطان الأقوياء عليهم، وأن الحضارة المادية مهما بلغت من زخرفها لن تبرههم إلى الحد الذي يجعلهم يضحون وجودهم وكيانهم وذاتيتهم في سبيل الحصول على هذا البريق، وخاصة أن الحضارة المادية مهما بلغت من زخرفها لن تبرهم إلى الحد الذي يجعلهم يضحون وجودهم وكيانهم وذاتيتهم في سبيل الحصول على هذا البريق، وخاصة أن الحضارة الغربية اليوم لا تقدم - فيما غير العلم - إلا ذلك الانحراف الخطير في الترف والشهوات ولذائذ الماديات والإسراف في تبديد الكيان الإنساني وهو ما يتعارض مع كرامة المسئولية والالتزام الأخلاقي للإنسان الذي شرفه الحق تبارك وتعالى بالاستخلاف في الأرض وتعميرها وإقامة المجتمع الرباني بها.

هذه الحقائق التي تبدو واضحة الآن في العقل الإسلامي والنفسي الإسلامية تعطي هدفًا أساسيًا هو أن القوى الأجنبية التي تتجمع اليوم لتواجه عالم الإسلام وهو يتحفز لامتلاك إرادته إنما تهدف إلى القضاء على هذه الذاتية الخاصة التي شكلها الإسلام في النفس المسلمة فأصبحت الأمة الإسلامية كالشامة في الجمع الغفير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت