فهرس الكتاب

الصفحة 26787 من 27345

د. عبد الله بن مقبل القرني

الحمد لله والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للأنام نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام - وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان أما بعد:

فإن سورة (طه) من السور المكية التي نزلت بمكة وخوطب بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخطاب له ولأمته - عليه السلام -، واشتملت على بيان وظيفته ومهمته - عليه السلام - وضرب له فيها المثل بمن سبقه بالرسالة حيث تضمنت طرفاً من قصة موسى ثم آدم - عليهم السلام -. وبالنظر في بدء السورة وختامها كانت هذه الوقفات:

1)تبدأ هذه السورة بخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - (طه*مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) وبيان أن القرآن منزل من الله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه لم ينزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليشقى به أو بسببه.

2)بيان وظيفته وحدود تكاليفه وهي الدعوة إلى الله وتذكير عباد الله (إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) ، ليتذكر به مَن يخاف عقاب الله، فيتقيه بأداء الفرائض واجتناب المحارم.

3)أن هذا القرآن منزل من الله الذي خلق الأرض والسموات العلى (تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى) (طه: 4) .

4)التذكير باسم من أسماء الله وصفة من صفاته (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أي ارتفع وعلا استواء يليق بجلاله وعظمته.

5)بيان عظمة الله وسعة ملكه (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ) أي له - سبحانه - ما حوت السماوات (وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) وما اشتملت عليه الأرض ومايقع بين السماوات والأرض (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) وما تحت الأرض لله خَلْقًا ومُلْكًا وتدبيرًا.

6)ويخبر- تبارك وتعالى -عن سعة علمه بقوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) وإن تجهر - أيها الرسول - بالقول، فتعلنه أو تخفيه، فإن الله لا يخفى عليه شيء، يعلم السر وما هو أخفى من السر مما تحدِّث به نفسك.

7)ثم بين - سبحانه - أنه (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الله الذي لا معبود بحق إلا هو، له وحده الأسماء الكاملة في الحسن، ومن أحصاها ودعا بها وهو مؤمن دخل الجنة.

8)وأن أمر الخلق بعد ذلك إلى الله الواحد الذي لا إله غيره المهيمن على ظاهر الكون وباطنه الخبير بظواهر القلوب وخوافيها.

9)وبين المطلع والختام تعرض قصة موسى - عليه السلام - من حلقة الرسالة إلى حلقة اتخاذ بني إسرائيل للعجل بعد خروجهم من مصر مفصلة مطولة. بدأً من الآية (9) (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) إلى الآية (98)

10)تعقبها الإشارة في آيتين (99/100) إلى ما تضمنته السورة من قصص (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ) وما امتن به - تعالى -من إنزال القرآن (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) والوعيد لمن أعرض عنه بالشقاء (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً) .

11)وتعرض السورة لجانب من قصة آدم - عليه السلام - (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) من الآية (115) .

12)ثم يأتي التصريح بالوعيد بالشقاء الدنيوي لمن أعرض عن كتاب الله في قوله - تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (124) .

13)ثم يمضي السياق حتى يأتي ختام السورة (130-135) بادئاً بالأمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على ما يلقاه في هذه الحياة (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) أي فاصبر - أيها الرسول - على ما يقوله المكذبون عنك من أباطيل كقولهم ساحر كاهن شاعر.

14)ويأتي الأمر بتنزيه الله جل في علاه (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (130) وفي هذا أمر للنبي - عليه السلام - بذكر الله وتنزيهه، وفي هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس وسبِّح بحمد ربك في صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وصلاة العصر قبل غروبها، وصلاة العشاء في ساعات الليل، وصلاة الظهر والمغرب أطراف النهار; كي تثاب على هذه الأعمال بما تَرْضى به.

15)ويعقبه النهي له - عليه السلام - عن النظر فيما أنعم به على العباد (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) والمعنى: ولا تنظر إلى ما مَتَّعْنا به هؤلاء المشركين وأمثالهم من أنواع المتع، فإنها زينة زائلة في هذه الحياة الدنيا، متعناهم بها; لنبتليهم بها، مع كونه أزهد الخلق صلوات الله وسلامه عليه. وما أشد حاجتنا إلى هذا التوجيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت