فهرس الكتاب

الصفحة 23245 من 27345

مسائل في النفاق (أنواعه وحكمه) ...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين:

هذه ورقات في أنواع النفاق وحكمه، لأن هذا اللفظ من ألفاظ الشرع، وإذا كان اللفظ كذلك فإنه يجب رد العلم به إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولفظ النفاق من أعظم الألفاظ الشرعية التي يجب العلم بها، ومثله لفظ الكفر والإيمان، والخطأ في فهم هذه الألفاظ يوقع صاحبه في الجهل بما قاله الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد رأينا من كان سكوته خيرًا من كلامه يزعم أن من ترك حكم الله - تعالى - واستبدل به شرائع الباطل الكافرة أنه منافق وليس بكافر، ثم يستطرد بأن الله - تعالى - أمرنا بأن نعامل المنافقين معاملة المسلمين، وذهب هذا - وذهب معه من ذهب - إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقم الحد على المنافقين، ولم يقتلهم مع ثبوت النفاق في قلوبهم، وقالوا: هؤلاء كأولئك سواء بسواء، فالواجب علينا - زعموا- أن لا نحكم عليهم بالكفر، ثم لا يجوز قتالهم، بل حكمهم حكم المنافقين زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الموادعة والمسالمة والصبر عليهم.

ثم رأيت ناسًا يسمون بعض الناس منافقين، ويصرحون أكثر بأنهم زنادقة، ثم بقليل من الحوار تعلم أنه لا يقصد تكفيرهم، ولا الحكم عليهم بالردة.

بل رأينا من يفتري ويزعم أن المجتمع المدني زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مجتمع أحزاب متعددة العقائد والأديان، ويستدل على هذا بوجود حزب للمنافقين، وهو حزب ظاهر يعرفه الناس ولا يصادرون حريته.

ورأينا من يفتري ويزعم أن حكم الردة ليس بواجب إلا إذا خرج المرتد عن نظام الدولة الإسلامية بحجة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقيم الحدود على المنافقين وهم كفار-، فجاز للناس في الدنيا أن يغيروا أديانهم، وقال: ها هو ذا القرآن يقول: (آمنوا ثم كفروا) ، ولم يرد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل واحد منهم.

وقالوا… وقالوا…

فمن أجل هذا ولغير ذلك من الفوائد التي ستراها كان هذا البحث، وسيتبين لك فيه أن الحكم على الرجل بالنفاق في زمننا هو حكم عليه بالردة (1) ، ولا يجوز لك ذلك حتى تقام لك الحجة الشرعية على كفر باطنه، ومن المعلوم أن علمك بالشيء ملزم لك وحدك، وملزم لغيرك بالبينة الشرعية التي تقام بها الأحكام.

ثم سيتبين لك أنه إن ثبت في حق رجل حكم النفاق، وأنه يسر كفره ويظهر خلافه، فإن حكمه هو حكم الزنديق، وهو أشد حكمًا عند جمهور العلماء من المرتد، إذ يوجبون قتله من غير استتابة، بل لا يقبلون توبته حتى لو فعلها، لأنه لم يفعل سوى أن عاد إلى أمره الذي كان عليه قبل ظهور بينات، وحجج زندقته.

وفي هذا البحث الرد على من زعم أن المنافقين زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علم الناس نفاقهم، وثبت حكم النفاق عليهم بالبينة الشرعية، ثم ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إقامة الحد عليهم عياذًا بالله - تعالى -، وفيه بيان نوعي النفاق، ويتبين لمن علمها أن أحد نوعيه يمنع ثبوت حكم النفاق عليه لعدم استقراره عليه فيمنع إطلاق الحكم عليه.

تذكرة:

نحن هنا نتكلم عن النفاق الأكبر الذي هو الكفر بعينه كما سيأتي، لا الأصغر وهو الذي يسميه البعض نفاق العمل، ويسمون الأول نفاق الاعتقاد، وهي تسمية عليها كثير من المحترزات، نترك الكلام عليها لموطن آخر، وأهم هذه المحترزات أن النفاق الأكبر يكون من عمل القلب وعمل اللسان، وجزء من عمل القلب هو الاعتقاد، فتسميته بنفاق الاعتقاد يخرج الكثير من صوره، وكذا النفاق الأصغر يكون في القلب واللسان والجوارح، فتسميته بنفاق العمل قصر له على بعض صوره، وليس هذا نفيًا لهذا التقسيم بل هو إعادة لترتيبه ترتيبًا صحيحًا، قال ابن تيمية: (النفاق كالكفر، نفاق دون نفاق، ولهذا كثيرًا ما يقال: - كفر عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر) (2) .

النفاق (3) :

النفاق: هو إظهار الإيمان والإسلام وإسرار الكفر (4) .

قال الله - تعالى: (( ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون* في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) ) [البقرة 8 10] .

وقال تعالى: (( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) ) [المنافقون 1] .

وقال تعالى: (( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون ) ) [البقرة14] .

فهذه الآيات دليل على أن المنافق باطنه على خلاف ظاهره، وهذا هو معنى النفاق في دين الله - تعالى -.

قال عبد الله ابن الإمام أحمد في السنة حدثني وكيع عن الأعمش عن شقيق عن أبي المقدام عن أبي يحيى قال: - سئل حذيفة عن المنافق قال: (الذي يعرف الإسلام ولا يعمل به) (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت