نحو تنظيم دعويّ فعّال محمد أبو بكرالرحمنو*
إن العمل الدعوي لهو من الأعمال العظيمة التي تستلزم الاجتهاد تسديدا واستقامة؛ وهو من الأعمال المباحة التي تستحق أن يفرغ فيها كل وسع، ويبذل فيها كل جهد، وأن يستفاد فيها من كل علم مباح وفن.. وإن من أفيد العلوم الحديثة للعمل الدعوي علم الإدارة؛ الذي غايته إنجاز الأعمال بأفضل الطرق، وأقل الجهود.
يقوم علم الإدارة على مبادئ هامة ومفيدة؛ ظهرت من خلال التجارب العملية، والخبرات المتراكمة عبر السنين، وملاحظات وبحوث علماء الإدارة القيمة.. فعلم الإدارة كله مبني على دراسة سنن الله تعالى الكونية؛ المتعلقة بتحسين الإنجاز، والوصول إلى الغايات عبر الوسائل المتاحة، وإن من أهم مبادئ الإدارة ذات الكفاءة والفعّالة مبدأ يتعلّق بأهمية التنظيم.
إن التنظيم هو أحد مبادئ الإدارة الثابتة والراسخة، وتقوم عليه أعمال الإدارة كلها؛ فلو أنه أهمل أو أغفل لكانت النتيجة هي إهدار الموارد غالبا؛ ليس هذا من باب التقوّل والكلام في الغيب؛ ولكن من باب استحضار سنن الله تعالى؛ التي لا تتبدّل، ولا تتغيّر!!.. فلا بد إذا للراغبين في الدعوة إلى الله من الاستفادة من هذا المبدأ، والاستعانة بالدراسات والتجارب والتوصيات المتعلّقة به؛ وصولا إلى تنظيم فعّال؛ يؤدي إلى إيصال رسائلهم بأفضل وجه؛ متتبعين سنن الله تعالى؛ غير متواكلين، ولا متبعي الأماني.
إن التنظيم الفعال هو ذلك التنظيم الذي يستصحب الرسالة والأهداف والوسائل، ويحدد الأعمال والمهام اللازمة لتحقيقها، ثم يعمل على تقسيمها إلى مهام فردية، وتحديد مواصفات الأفراد الذين سيؤدون الوظائف، وتحديد العلاقات التنظيمية، ثم إنزال ذلك إلى الواقع؛ عبر اختيار الأفراد وتعيينهم، وتفويض الصلاحيات لهم، ثم المتابعة والمراجعة والتقويم.
مما سبق تظهر لنا الخطوات التالية التي ينبغي اتباعها في سبيل تأسيس وإدارة تنظيم دعوي فعال؛ متجه نحو الغايات، متعلق بالنهايات، مهتم بالتفاعل البناء، معتن بالتجويد عبر التخصص.. وهذه هي الخطوات:
1)وضع رسالة التنظيم.
2)وضع الأهداف العامة.
3)تحديد الوسائل.
4)تحديد الإمكانيات.
5)تحديد المهام الضرورية لتحقيق الأهداف عبر الوسائل المحددة.
6)تقسيم المهام حسب التخصص الوظيفي أو الإداري إلى أنشطة متخصصة.
7)تقسيم الأنشطة إلى مسؤوليات فردية (وصف تنظيمي) .
8)تحديد نوعية العاملين (وصف المهارات، والمعارف المطلوبة لشاغل كل وظيفة) .
9)تحديد الحقوق الوظيفية (الراتب، البدلات، الامتيازات، الإجازات، الترقيات، الحوافز) .
10)تحديد علاقات السلطة والمسؤولية بين الوظائف المختلفة.
11)اختيار العاملين لشغل الوظائف حسب النوعيات المطلوبة.
12)تفويض الصلاحيات والسلطات لهم لممارسة وظائفهم.
13)التوجيه والرقابة.
14)المراجعة والتقويم.
هذه الخطوات قد تبدو أبسط عند محاولة تأسيس تنظيم جديد، ولكن المنظمات القائمة تصاحب عملية إعادة تنظيمها العديد من المصاعب؛ إذ أن التغيير - وهو ضرورة حتمية - غير مرغوب فيه عند كثير من الناس؛ لأنهم غالبا ما ينفرون من التعامل مع المجهول، والمجهول له رهبة في مع النفوس.
يجب الاهتمام عند القيام بتنظيم علاقات العمل بين الوظائف المختلفة بمبدأ هو (مبدأ وحدة الأمر) ؛ والذي يعني أن يتلقى كل فرد في التنظيم التوجيهات من جهة واحدة فقط؛ ويكون بالتالي مسؤولا أمام شخص واحد؛ لذلك لا بد من تحديد خطوط علاقات العمل؛ وهو ما يعرف بالهيكل التنظيمي..
إن مراجعة العمل التنظيمي دوريًا بين فينة وأخرى، وإعادة صياغته وفق متطلبات الظروف المحيطة - سواء المتعلقة بنقاط القوة والضعف في داخل التنظيم، أو بالتغير في ظروف البيئة الخارجية؛ من قوانين وقرارات حكومية، ولوائح وثقافات ومعتقدات وظواهر اجتماعية - من الأهمية بمكان؛ إذ أنه يعمل على صيانة هادفية التنظيم، والسير في طريق تحديد رسالته.. إن الأمر لا يقتصر على مراجعة التنظيم وحسب؛ بل لا بد من مراجعة الأهداف، والاستراتيجيات، والسياسات، والإجراءات، والنظم، وكافة عناصر العمل التنظيمي؛ حتى يتم تحقيق فاعلية التنظيم (التوجه البناء نحو الأهداف، والغايات) ، وكفاءته (الحصول على أكبر إنتاج ممكن - مخرجات - من الموارد المتاحة) .
إن تفصيل الخطوات السابق ذكرها - حتى يكون فعّالًا - يحتاج إلى رؤية متكاملة، وتحديد الرسالة بشكل واضح من منطلق هذه الرؤية، ثم تحديد الأهداف العامة؛ التي بتحقيقها تتحقق الرسالة وفق الرؤية.. ثم لا بد من وضع إطار لتحقيق الأهداف؛ وهو الطرق التي يمكن عن طريقها التقدم نحو كل هدف.
إذا تم تحديد العناصر السابقة وبشكل واضح فإن عملية التنظيم ستصبح سهلة نسبيًا، أما إذا أردنا تنظيم العمل دون تحديد العناصر السابقة، أو دون مراعاتها فسيكون التنظيم تنظيما شكليا في الغالب؛ لا يؤدي إلى التكامل في السعي نحو الغايات، ويؤدي إلى إهدار الطاقات البشرية، والإمكانيات المادية.