فهرس الكتاب

الصفحة 26407 من 27345

وشرُّ الناس مَن سَرَقا

الكاتب: الشيخ د.قيس آل الشيخ مبارك

شاع في هذا العصر مصطلح حق التأليف والابتكار والإبداع وجرى الحديث حوله في كثير من المؤتمرات العالمية ، وتبنَّت منظَّمة (الويبو ) التابعة للأمم المتحدة مسؤولية الدفاع عن الحقوق الفكريَّة وعقدت لذلك عدَّة دورات ، وتبعتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية في مؤتمر بغداد في نوفمبر 1981م .

وفي الشريعة الإسلامية يعدُّ التأليف عملاً يُنسب لصاحبه لا ينقطع عنه بموت، فهو علمٌ يَنتفع به، وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن من سَقَطَت منه ورقةٌ كُتِب فيها أحاديث أو نحوها ،أَيَجُوز لمن وَجَدَها أن يَكْتُبَ منها ثمَّ يرُدَّها ؟ فقال: لا ، بل يستأذن ثم يَكتب .فالإمام أحمد رحمه الله لا يمنع من قراءة المؤلفات ولا يحرِّمها، وإنما يُنبِّهنا وهو الفقيه الفهيم إلى ما يدِقُّ من معاني الفقه، وهو أن الكلام المكتوب إنما هو منفعة متقوَّمة حصلت على يد الكاتب فاختصَّت نسبتها إليه دون غيره ، وهذا هو معنى التملُّك إذ لا معنى للملك غير الاختصاص بالتصرُّف في الشيء والانتفاع به من غير مانع .

أما النقل عن المؤلفات مع الإشارة إلى الاستفادة منها فهو أمر جائز مادامت المؤلَّفات منشورة ولم يقف صاحبها دون الإذن بقراءتها والانتفاع بها، فإذا رضي المالك وهو المؤلف في قراءة ما كتب وفي النقل عنه فلا إشكال في الجواز لأن هذا حق مأذون فيه ، سواء كان الرضى بالعبارة الصريحة أو كان بالإذن العرفي بدلالة العرف حال طباعة المؤلِّف ما ألَّفه ونَشْرِه للباحثين ، فالإذن هنا حاصل بشهادة الحال .

غير أن الرضا هنا مقصورٌ على الإذن بالقراءة وبالنقل المقترن بالعَزْوِ والإحالة على المصدر لا يتعدَّاه ، وهو أمر دَرَجَ عليه الباحثون قديما من غير نكيرِ من أحد ، حتى صار عرفا بين الباحثين ، أما النقل عن الكتب من غير إحالة عليها فلا يتوجَّه إليه الرضا بحال. وهو معنىً لم يَغِب عن الناس حتى في الجاهلية فقد قال قائلهم:

ولا أغير على الأشعار أسرقها*** منها غَنِيتُ وشرُّ الناس من سرقا

وإذا كان التعليم كما يقول العلماء من فروض الكفايات ، فإن لِقوَّة التأليف وجَوْدته يدٌ مشهودة في ازدهاره ونَمَائِه ، فهو السبيل إلى قيد الإبداعات الفكرية التي لا تستقِرُّ ولا تُحفظ إلا بكتابتها ، فيسهل بعد ذلك بثُّها بين الناس للإفادة منها ثم تطويرها والارتقاء بها.

أما إذا كانت التأليف تكراراً لأقوال الآخرين ووُقوفاً عند إبداعات السابقين ، غايتها عَزْوٌ ونَقْل ، وقانونها: قال فلان وقال علاَّن! وما ترك الأوَّل للآخر ! فأيُّ تَقدُّم يُرتجى ؟ وأيُّ نُهوض يُرتقب ؟ ورحم الله الإمام مالكاً حين أبدع و ابتكر فوطَّأ لنا أوَّل مؤلَّف في شرائع الإسلام بَنَاهُ كما يقول العلماء على تمهيد الأُصول للفروع ونَبَّه فيه على معظم أُصول الفقه . فبنى الإمام الشافعي رحمه الله علمه على تلك القواعد التي أسسها شيخه مالك رحمه الله ، فأبرز لنا كتابه العظيم ( الرسالة ) في علم أُصول الفقه في ثوبٍ جديد.

وظلَّت قافلة الإبداعات الفكرية تسير حتى جاء الإمام الغزالي (450هـ-505هـ ) رحمه الله فأبرز لنا من مكنونات هذه الشريعة دُرَراً كثيرة ، منها في مجال علم النفس كَشْفُهُ لِمَسألة سَبْق الوَهْم إلى العكس (وهي ما تسمَّى حديثا:نظرية الاقتران الشرطي ) ، وتحليله لها تحليلاً دقيقاً في عِدَّة مواطن من مؤلَّفاته ، وقد كانت تُنسب إلى العالم النفساني الروسي بافلوف (1849م-1936م ) الذي استدلَّ على هذه النظرية من تجربته على الكلاب ، من حيث ذكر الإمام الغزالي مثالاً أرقى وأدق فنَزَّلها على الإنسان ، حال إنقاذ الغريق .وهكذا فرض هذا الدين على أتباعه النماء والإبداع والارتقاء في دَرَج الكمال والانخلاع عن رتبة التقليد والمحاكاة.ولِمَجَال التأليف ميدان أشدُّ ظلمة وأشدُّ تخبُّطاً من ميدان النَّقل والمحاكاة ، وهو ميدان يتدرَّع فيه صاحبُهُ بالليل ليكون أخفى عليه للويل، وهو ميدان سرقة المؤلفات وإضافتها إلى غيرمؤلفيها، وقد قيل:

أُضَمِّن كلَّ بيتٍ نصف بيتٍ*** فشعري نصفه من شعر غيري

فإن الدرهم المضروب باسمي*** أحبُّ إليَّ من دينار غيري

وهو عمل أخشى أن ينطبق عليه قول الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام: (المُتَشَبِّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور ) فقد حكى الخطابي عن نعيم بن حماد رحمهما الله أنه قال: يكون في الحيّ الرجلُ له هيئةٌ وشارةٌ ، فإذا احتيج إلى شهادة زور لَبِس ثوبيه وأقبل فشهد فَقُبِل ، لِنُبْلِ هيئته وحُسْن ثوبيه، فيقال: أمضاها بثوبيه أي أمضى الشهادة .

والمُتحلِّي بما ليس فيه كمن لبس ثوبي الزور ، ارتَدى أحدهما واتَّزر بالآخر كما قال العربي: إذا هو بالمجد ارتدى وتأزَّرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت