وقد كنت منذ اثنتي عشرة سنة تقريباً في تونس فأخبرتني الباحثة القديرة الدكتورة هند شلبي - وهي من فضليات نساء العصر وهبها الله علما غزيرا ودينا متينا وسلوكا يحكي هدي الصحابيات ولها موقف رَسَمَت به لوحةً مشرِّفة على تاريخ تونس الحديث - أنها عثرت بجامع عقبة بن نافع بالقيروان على أجزاء متفرقة من تفسير يحي بن سلام الذي هو أصل يرجع إليه الطبري في تفسيره . وذكرت أنها أتمَّت تحقيقه ، وطلبت منِّي إيصاله إلى ناشرٍ من إحدى الدول العربية يقيم في جدَّة ، فسلَّمتني الكتاب بعد أن احتفظت بصورة منه لديها نزولا عند رغبتي خوفا من ضياعه ، وكنت محتسباً أجري عند الله بأن يكون لي مساهمة في إخراج هذا الكنز ولم يَدُر بخلدي أنني سأقدِّمه للصٍّ يسرقه، أخذت الكتاب معي ووصلت مطار جدة واتصلت بالناشر وسلَّمته النسخة يداً بيد ثم غادرت إلى بلدتي الأحساء .
وتمضي الأيام فتكتشف الدكتورة هندٌ أن الناشر قد قدَّم الكتاب إلى جامعة أم القرى باسمه للحصول على درجة علمية ، والمرءُ توَّاقٌ إلى ما لم ينل، فجزى الله خيرا العلامة الجليل الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجه حين كشف الحقيقة للجامعة ، وأعاد الحق لصاحبه .
ومن الطريف المضحك المبكي ما أخبرني به قبل سنتين أستاذي الجليل الأستاذ الدكتور محمد نعيم ياسين في منزله بعمَّان أن بحثاً أُرسِل إليه لِيَحكُم عليه ، فإذا هو أحد أبحاثه المنشورة بقضِّهِ وقضيضه ، ساعتها تذكَّرت قول الشاعر:
أُمورٌ يضحك السُّفهاء منها ***ويَبكي من عواقبها الحليم
ومن ذلك أني كنت في شهر رجب من عام 1418هـ في تونس فاتَّصل بي أُستاذ من جامعة الملك عبد العزيز بجدة يخبرني أن أُطروحته لدرجة الدكتوراه طبعت منسوبة إلى باحثين لا يعرفهما ، ويسألني إن كنت أعرفهما، فأجبته بِنَعَم ، أما أحدهما فكنت أُحسن الظن به وعجزت عن الالتقاء به بِسبب سفره للخارج ، وأما الآخر فاتصلت به هاتفيا في نفس اليوم وصارحته بما انكشف من أمره ، فأنكر أن يكون سرق ، مُبدياً استغرابه من هذه التهمة ، فطلبت منه أن يُريَني مسودة التحقيق التي هي برهان صِدقِه ، فوعدني بذلك ، وجاءني بعد يومين بنسخة مرتَّبة ،وكان الاضطراب ظاهرا على وجهه فالمسألة عنده كما
يقال: يقع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر ، فقلت له:لك أن تستظهر لي بالمسودات التي بنيت عليها بحثك لأذبَّ عنك عند صاحبي وأُثبِت له أن المسألة توارد خواطر، فقال لي بلهجته العامية: لوَّحْتُ المسودات كلها ولا أملك منها غير النسخة النهائية المرتبة التي عليها جرت الطباعة . فاعْجَب لباحث يفرِّط في أساس بحثه وقاعدته.ومنذ مدَّة كنت مشاركاً في مؤتمرٍ علمي بإحدى الدول العربية ،وحين وصلت مكان المؤتمر مع بداية الجلسة الثالثة من اليوم الأول رأيت خبرا شائعاً بين كثيرٍ ممن حضر المؤتمر وهو أن أحد أبحاث المؤتمر إنما هو نقلٌ مُجرَّد من كتابي: (التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية ) المطبوع بدمشق سنة 1412هـ.
ولمَّا وَقَفْتُ على حقيقة الأمر علمت أن ما شاع لم يكن ظنَّاً بل هو حقيقةٌ أدْرَكَها المشاركون وشَهِدَها أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر ، واستاءوا منها أشدَّ الاستياء فأفضَوا إليَّ بما ساءهم ، وكنت أُكذِّب نفسي لولا أن البحث مُقَدَّم للمؤتمر و مُنتحله موجود بمكان المؤتمر ،ووقف على منصَّة المؤتمر مستعلناً بنسبة البحث إلى نفسه غير هيَّابٍ ولا خجِل ، وغاب عنه أن حبل الانتحال قصير و أن أمره اطلع عليه الكثير .
وأطرف ما رأيت من أمره أنه عاجز حتى عن أن يقرأ النص الذي نسبه إلى نفسه قراءةً سليمة غير مغلوطة ، وبيان ذلك أن أحد مصادري كان كتاب ( النوادر والزيادات ) للشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني رحمه الله ، فأثَبَتُّه في ثبت المصادر المخطوطة ولم أذكره في المصادر المطبوعة لأنه كان ولا يزال مخطوطاً ، ونَسَبْتُهُ إلى مصدره قسم المخطوطات بدار
الكتب الوطنية بتونس ، فإذا بالمنتحل يكتب: (ط ونشر دار الكتب الوطنية بتونس ) ولم يَدْرِ هداه الله أن الكتاب لم ينشر بل لم يطبع ، بل لم يعلم - وهذه جهالة لا تُقبل من منتسب إلى هيئة علمية-أن دار الكتب الوطنية ليست دار نشر وإنما هي واحدة من أشهر مراكز المخطوطات في العالم ، ولكن للسارق غفلة ، وقديماً قيل: يَركَب الصَّعب من لا ذلول له . وهكذا أساء فهماً فأساء نقلاً .وما عسى أن يرفعه انتحال كلام الآخرين غير الفضيحة في الدنيا و الخزي في الآخرة كما قيل: خيرٌ قليل وفضحت نفسي ، فلعله أن يتوب فيتوب الله عليه .وفي البحث طرائف من سوء النقل والتخليط في الانتحال أعرضت عن ذكرها .ولا تظنَّ أخي القارئ أن كل المنتحلين بهذه السذاجة والبساطة ، فقد أخبرني أخي الأستاذ الدكتور عبدالناصر أبو البصل أنه اكتشف سرقة فاستحلف السارق بالله أن يصدقه فقال السارق: أما أنني سرقت فنعم ، وهاهو البحث أمامك وأتحدَّى أن يستطيع أحدٌ إثبات ذلك .