فهرس الكتاب

الصفحة 16373 من 27345

رصيدك في بنك الصحة!

د.محمد هيثم الخياط

منظمة الصحة العالمية

للصحة في الإسلام بُعْدان اثنان هما:"الميزان الصحي"، و"الرصيد الصحي".

* الميزان الصحي:

نجد البُعْد الأول في كلام ربنا عز وجل، متحدثًا عن هذا التوازن الذي وضعه الله في طبيعة هذا الكون بمختلف منظوماته ومنها الإنسان:"…وَوَضَع الميزان * ألا تَطْغَوْا فِي الْمِيْزان * وَأَقِيْمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوْا الْمِيْزَان" (الرحمن: 7 - 9) ، فلفت - سبحانه - النظر إلى هذا التوازن الذي ينظم كل شيء، ونَبَّه إلى أن أي انحراف ـ أيًّا كان اتجاهه، طغيانًا كان أم إخسارًاـ يمكن أن يُخِلَّ بهذا الميزان ويفضي إلى أسوأ العواقب:"يَا أَيُّها النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُم…" (يونس: 23) .

ولقد فهم الطبيب العربي والمسلم ذلك واستوعبه وطبَّقه في مجال الصحة مُعَبِّرًا عن هذا التوازن الديناميكي بتعبير الاعتدال، فقال علي بن العباس مثلًا بكل إيجاز:"والصحة هي اعتدال البدن"، وعبَّر عن ديناميكية هذا التوازن ابن سينا بقوله:"الاعتدال الذي للإنسان له عرض (مجال) .. وله في الإفراط والتفريط حَدَّان".

* الرصيد الصحي:

أما البُعْدُ الثاني فينطلق في الأساس من قول النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه البخاري عن ابن عمر:"وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِك"، وهذا حديث عن"رصيد صحي"يحافظ عليه المرء ويُنَمِّيه؛ ليستعين به على مجابهة المرض، فالمرض كما تقدم إخلال بالميزان الصحي، ومجابهته تكون بالمحافظة على الميزان الصحي، ومنع اختلاله، واستعادة التوازن الصحي كلما اخْتَلّ، ولن يتأتى ذلك ما لم يكن لدى الإنسان مثل هذا الرصيد الصحي الذي يستعين به ويتسلح به.

وقد أطلق المحدثون عبارة"تعزيز الصحة"على مجموعة الوسائل المُتَّخَذة لتقوية الرصيد الصحي وتنميته للحفاظ على كَفَّة الصحة راجحة، فأما من ثقلت موازينه الصحية فهو في خير صحة وعافية، وأما من خَفَّت موازينه الصحية فهو فريسة للأمراض والأسقام.

والذي يمكن أن يخفف موازين الصحة إن ساء، ويُثْقِل موازين الصحة إن حَسُن، مجموعة من عوامل في الإنسان والبيئة، أطلق عليها ابن سينا اسم"الأسباب المُغَيِّرة أو الحافظة لحالات بدن الإنسان"، وأدرج فيها العوامل التالية:"… الأَهْوِيَة وما يتصل بها، والمطاعم والمياه والمشارب وما يتصل بها، والاستفراغ والاحتقان، والبلدان، والمساكن وما يتصل بها، والحركات والسكونات البدنية والنفسانية ومنها النوم واليقظة، والاستحالة في الأسنان، والاختلاف فيها وفي الأجناس، والصناعات، والعادات". وقد أضاف إلى ذلك علي بن العباس"الرياضة، والدَّلْك، والاستحمام، والجماع"، وقال عن هذه الأسباب:

".. وذلك أن هذه الأمور متى اسْتُعْمِلَت على ما يجب أن يستعمل، وعلى حسب الحاجة إليها في كل واحد من الأبدان، في الكمية والكيفية والوقت والترتيب، حفظت الأمور الطبيعية على حالها، ودامت بذلك صحة البدن!".

وليس يخفى أننا نستطيع أن نقسم هذه العوامل إلى مجموعتين اثنتين، متصرفين بعض التصرف في المصطلحات؛ لنستعمل تعابير العصر الحاضر، والمجموعة الأولى هي: البيئة، والمجموعة الثانية هي: السلوك المتعلق بالصحة وهي أنماط الحياة. وعن أنماط الحياة هذه يقول علي بن العباس:"ينبغي أن يستعان في سائر أبواب حفظ الصحة بالنظر في العادات، إذ كان النظر فيها بابًا كبيرًا في حفظ الصحة ومداواة الأمراض؛ لأنها إذا طالت مدتها صارت كالشيء الطبيعي..".

أنماط الحياة من أجل صحة أفضل:

لأن الإنسان المسلم يعتبر الصحة نعمة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما:"نعمتان مَغْبُونٌ فيهما كثير من الناس: الصِّحَة والفراغ"؛ لذا فهو يحافظ عليها عن طريق:

1 -التغذية الحسنة: وهي التغذية المتوازنة تحقيقًا للميزان الذي وضعه الله في كل شيء، ويكون ذلك أولًا: بتَحَرِّي الغذاء الطَّيِّب:"كُلُوْا مِنَ الطَّيِّبَات" (المؤمنون: 51) ، واجتناب الغذاء الخبيث:"وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِث" (الأعراف: 157) ، وثانيًا: بعدم الامتناع عن الغذاء لقوله سبحانه:"لا تُحَرِّمُوْا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُم…" (المائدة: 87) ، وثالثًا: بعدم الإسراف فيه لقوله تعالى جَلَّ شأنه:"وَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا وَلا تُسْرِفُوْا" (الأعراف: 31) ، ورابعًا: بعدم تناول ما نَصَّ أهل الذكر من الأطباء على أن من شأنه أن يُحْدِثَ الضرر؛ فيكون بذلك معتديًا على الصحة:"وَلا تَعْتَدُوْا".

2 -النظافة العامة: لقوله عليه الصلاة والسلام:"الطُّهُورُ شَطْرُ الإيْمَان"رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يُحافِظ على الوضوء إلا مؤمن"رواه الدارمي، وقوله:"حَقُّ الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام: يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَه"رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت