فهرس الكتاب

الصفحة 13220 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

لقد كثر في السنوات الأخيرة الحديث عن ضرورة الاعتراف"بالآخر"وعن ضرورة البرِّ والقسط إليه، إلى درجة يكاد يرفع بعض الكتّاب المسلمين"الآخر"فوق المسلم، ويحرصون عليه وعلى حقوقه ولا يلتفتون إلى المسلم وحقوقه.

وباستعراض تاريخنا وخاصة في العصر الحديث الذي نعيشه لا أجد أنَّ"الآخر"وجد عدالة وحياة أفضل مما وجدها بين المسلمين. لقد عاش النصارى في معظم أقطار العالم الإسلامي حياة مطمئنّة كريمة إلا في فترات قليلة من تاريخنا الإسلامي. فالنصارى واليهود لم يُظْلموا في المجتمعات الإسلامية ولكن يعاقبون بمقدار ما يُكْشَف من تعاونهم مع أعداء الأمة حين يتلقّون منهم التوجيه، ويعملون حسب المخطط الذي يرسمونه لهم.

إن الذي يحتاج أن يُعْترف به وينصَف ويُبرَّ ويُقسط إليه هو المسلم الذي لم يعد يجرؤ على إعلان صلاته أو صيامه في ساحة واسعة من العالم الإسلامي، ولم يعد يجرؤ على إعلان دعوته إلى الله ورسوله، لم يعد يجد الحريّة ولا العدالة ولا المساواة. ربما أصبح على المسلم أن يَطْلُبَ أن يساوى"بالآخر"!

يرى المسلم بأمّ عينيه أن شرع الله يخالَف وأنَّ الله سبحانه وتعالى يُعْصى جهارًا وعلانيةً دون أن يستطيع أن ينصح أو يعترض، أو أن يُطالب بتطبيق شرع الله كما جاء في الكتاب والسنّة. وإن جرؤ على ذلك فهو متهم بالرجعيّة أو الإرهاب أو أيَّ تهمة أخرى !

أثار في نفسي هذه التساؤلات المقالة التي قرأتها في مجلة الرسالة العدد العاشر 1425هـ 2004م، بعنوان:"معاملة غير المسلمين في الخبرة الإسلامية"بقلم حمدي عبد العزيز شهاب. ولقد قرأت ما ورد في هذه المقالة في مجلات أخرى لكتّاب مسلمين حتى بدا أن هناك إلحاحًا على هذه الموضوعات والأفكار، إلحاحًا لا أراه يناسب حقيقة الواقع اليوم ولا واقع الأمس. أشعر أنّ الصورة مقلوبة رأسًا على عقب. وأود أن أُناقش بعض ما ورد في هذه المقالة.

فلقد جاء في العنوان كلمات:"……في الخبرة الإسلامية"! ولم أفهم المقصود من كلمة"الخبرة"، وكان أحرى أن يقال: في الإسلام ! فهذا هو المهم، لأننا يجب أن نردَّ كلَّ صغيرة وكبيرة إلى منهاج الله ردًَّا أمينًا، كما أمرنا الله ورسوله، وقد جعل الله هذا الأمر شرطًا للإيمان، ومخالفته مخالفة للإيمان.

وجاء في المقالة:"ونصوص الأصول المنزّلة على قدر كافٍ من الوضوح مضمونًا وصياغةً، يفسح مجالًا واسعًا للتوازن بين حس الوحدة الإسلامية، وبين الاعتراف بالتعدّدية التي شاءها الله تعالى نفسه منذ بدء الخلق".

وآسف أن أقول لأخي الكريم إنَّ هذه مغالطة كبيرة. فالوحدة الإسلامية جزء من شرع الله الذي أُمِر المسلمون بالتزامه وتطبيقه، وأما التعدّدية التي شاءها الله تعالى منذ بدء الخلق هي مشيئة الله وليست أمرًا منه بالتزامها. إنها سنّة من سنن الله في الحياة تمضي على حكمة لله بالغة ابتلاءً منه سبحانه وتعالى وليس شرعًا لعباده. وهناك سنن ربَّانيّة أخرى كثيرة ماضية بقدر الله وقضائه دون أن نؤمر باتباعها. فرجل يقتل رجلًا ظلمًا يتمّ ذلك بقضاء الله ومشيئته، ولكنه أمرٌ منهيٌ عنه في شرع الله.

فلا علاقة للتعددية التي يقصدها الكاتب بالسنة الربّانيّة الماضية في الكون. التعدّدية التي تدرس بعد أن تُرَدَّ إلى الكتاب والسنّة هي التعدّدية التي نقيمها نحن والتي ندرس مطابقتها لشرع الله أو مخالفتها له.

ويقول:"…… فإن"الحركة الإسلامية"التي انبثقت من هذا العالم … تظلّ متسامحة مع الآخر الديني نظرا لإيمانها بسنّة الاختلاف … بل في تعددية الشرائع".

فالحركة الإسلامية، أي الدعوة الإسلامية، انبثقت بالوحي ومن الوحي وبالنبوّة، من الكتاب والسنّة، لتلتزم شرع الله والدعوة إليه حتى تكون كلمة الله هي العليا. وسنّة الاختلاف التي نراها في الحياة بقدر من الله لحكمة بالغة ليست السنّة التي أُمرنا باتباعها. فهناك اختلاف أجازه الإسلام لأنه داخل في حدود الشريعة ليس فيه خروج عنها. وهناك اختلاف نهى عنه الله ورسوله لأنه خارج عن شرع الله. وسنّة الله ماضية في الحالتين ابتلاءً منه سبحانه وتعالى لعباده وتمحيصًا لهم. ولذلك أوضح الأمر بالقاعدة التالية:

"نتعاون فيما أمر الله أن نتعاون فيه ويعذر بعضنا بعضًا فيما أذن الله لنا الاختلاف فيه"!

وكذلك فإن الواقع يُظْهر أن الشرائع مختلفة ابتلاء منه سبحانه وتعالى، ولكن الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل إلا دينًا واحدًا وشرعًا واحدًا جاء به الأنبياء والمرسلون وخُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلّم الذي أُنزل عليه الكتاب بالحقّ مصدّقًا لما بين يديه ومهيمنًا عليه:

( وأنزلنا إليك الكتاب بالحقِّ مصدّقًا لما بين يديه ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهوائهم … )

[ المائدة: 48 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت