فهرس الكتاب

الصفحة 17321 من 27345

السؤال:

ما صفة الإقسام على الله ؟ و ما حكمه ؟

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

إن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره ، فإذا تعددت صور المسألة اختلفت أحكامها من صورة إلى صورة ، كما هو الحال في الإقسام على الله تعالى ، إذ إنَّ له صورًا نأتي ـ فيما يلي ـ على ذكرها ، و بيان حكم الشرع في كلٍّ منها:

الصورة الأولى: الإقسام على الله تعالى بمعنى الطلب و الدعاء ممن أخذ بأسباب الإجابة ، و من كانت هذه حاله كان حريًا بأن يستجاب له ، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: رب أشعث مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبره ) .

قال النووي رحمه الله: ( أي لو حلف على وقوع شيء أوقعه الله إكرامًا له بإجابة سؤاله و صيانته من الحنث في يمينه . و هذا لعظم منزلته عند الله ، و إن كان حقيرًا عند الناس . و قيل: معنى القَسَم هنا: الدعاء ، و إبراره إجابته ) .

و روى الترمذي في سننه بإسناد حسَّنه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤبَه له ، لو أقسم على الله لأبره ) .

الصورة الثانية: الإقسام على الله تعالى بصيغةٍ جواب القسم فيها أمرٌ معلوم من الدين بالضروة ، أو مما أخبر الله به عن نفسه أو أخبر به عنه نبيه صلى الله عليه وسلم ، كالإقسام على الله أن يدخل الجنة من مات لا يشرك بالله شيئًا ، و نحو ذلك ، لأنه يفيد الإخبار أو الدعاء ، و إن جاء على صيغة الإقسام ، إذ إن العبرة بالمقاصد و المعاني ، لا بالألفاظ و المباني و هذا أمر مشروع لا بأس به و لا لبس فيه .

و من هذا القبيل ـ و الله أعلم ـ ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في موقعة شقحب [ رمضان من سنة 702 للهجرة ] حيث كان يحلف لأجناد المسلمين بين يدي المعركة أنهم في هذه الكرَّة منصورون ، فيقولون له: قل: إن شاء الله ، فيقول: ( إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا ) .

قال ابن كثير رحمه الله: و حرّض ابن تيمية السلطان على القتال و بشّره بالنصر ، و جعل يحلف له بالله إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا . و أفتى الناس بالفطر مدة قتالهم ، و أفطر هو أيضًا ، و كان يدور على الأطلاب ، و الأمراء ، فيأكل من شيء معه في يده ، ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا على القتال أفضل ، فيأكل الناس ) [ البداية و النهاية: 18 / 26 ] .

قلتُ: و الظاهر أن مَرَدَّ إقسام شيخ الإسلام على أن الجند منصورون في شقحب ، و عدم استثنائه في ذلك ، إلى إيمانه بوعد الله تعالى لعباده في قوله سبحانه: ( إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد ) [ غافر: 51 ] .

الصورة الثالثة: الإقسام على الله تعالى القائم على ثقة المُقسِم بربِّه ، و عِظَم رجائه فيه ، و هو أمر جائزٌ مالم يفض إلى ردِّ حكم الله و رسوله ، و قد وقع ذلك بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقرَّه و لم يُنكره .

روى الشيخان و غيرهما عن أنس رضي الله عنه قال: كَسَرت الرُّبَيِّعُ ـ و هي عمة أنس بن مالك ـ ثَنِيَّةَ جاريةٍ من الأنصار، فطلب القومُ القصاص . فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم ، فأمر بالقصاص . فقال أنس بن النضر ـ أخو الرُّبَيِّعَ ـ: لا و الله لا تكسر سنها يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يا أنس ! كتابُ الله ـ أي حكمه و قضاؤه - القصاص ) . فرضي القوم و قبلوا الأرش . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) .

قلتُ: و لا يفهَم من هذا الخبر إعراض أنس عن حكم الله و رسوله ، و لا رده أو رفض النزول عليه ، حاشاه - و الله - أن يصدر منه ذلك ، أو يصدر هو عن موقف كهذا ، بل لعلَّه أراد حث أولياء الجارية على قبول الأرش ( و هو العِوَض الماديُّ عن الضرر ) إذا بَلغهم قوله ، أو رجاء أن يَشفَع لأخته عندهم من يرتضونه من الشفعاء ، فيعفون و يصفحون .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: ( استشكل إنكار أنس بن النضر كسر سن الرُّبَيِّعِ مع سماعه من النبي صلى الله عليه و سلم الأمرَ بالقصاص ، ثم قال: أتكسر سن الرُّبَيِّعِ ؟ ثم أقسم أنها لا تكسر . و أجيب بأنه أشار بذلك إلى التأكيد على النبي صلى الله عليه و سلم في طلب الشفاعة إليهم أن يعفوا عنها . و قيل: كان حلِفُه قبل أن يعلم أن القصاص حتمٌ فظن أنه على التخيير بينه و بين الدية أو العفو . و قيل: لم يُرِد الإنكار المحض و الرد ، بل قاله توقعًا و رجاءً من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش ، وبهذا جزم الطيبي فقال: لم يقله ردًا للحكم بل نفى وقوعه ، لما كان له عند الله من اللطف به في أموره ، و الثقة بفضله أن لا يخيبه فيما حلف به ، و لا يخيب ظنه فيما أراده بأن يلهمهم العفو ، و قد وقع الأمر على ما أراد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت