يني أميد، عدد نيسان- مايس - حزيران 2004
يمكن تلخيص حرية العقيدة والدين والوجدان بالقول بأنها حرية كل إنسان في اختيار دينه واستطاعته القيام بإيفاء جميع واجبات وتكاليف وأوامر دينه بكل اطمئنان وراحة دون أي عائق أو مانع، وأن يكون باستطاعته تلقي التعليم الضروري لكي يتمكن من العيش حسب عقيدته وإيمانه، وتيسير سبل إيصال عقيدته إلى الآخرين كذلك.
إن الذين يعدون الدين مجرد قناعة وجدانية وقلبية لا غير يقومون في الواقع بتفسير محرف لما وضعه الله تعالى من جانب، ويقومون من جانب آخر بتقليص وتضييق مساحة تطبيقه حائلين بذلك دون حصول المنافع والمصالح الفردية والعائلية والاجتماعية التي وعد الله عباده المتمسكين بدينه. بينما يتطلب الدين الإسلامي إلى جانب الاعتقاد بأسس الإيمان وقواعده اعتقادًا قلبيًا راسخًا وجوب الإيفاء بأركان الإسلام وفرائضه وشعائره حق الإيفاء وتطبيقها ورعاية قواعده الأخلاقية تمام الرعاية، كما يحتوي الدين على العديد من الأسس الحقوقية والاجتماعية والعائلية. وهذه القواعد تشكل نظامًا ملزمًا للإنسان ولها نتائج حيوية مهمة وجدية.
أجل!... فليست هذه الأسس من الأمور التي يمكن إهمالها أو تناسيها، وليست نتائجها بالنتائج الهينة البسيطة. فكما أن النظام الدنيوي والتوافق والتلاؤم والسعادة الفردية والعائلية متعلقة بنسبة كبيرة بهذه الأسس والقواعد، فإن إشباع رغبة الخلود في الإنسان والسعادة التي لا تنقطع ولا تزول في العالم الآخر ثمرة من ثمارها ونتيجة من نتائجها.
ولكن من المؤسف أن كثيرًا من الدول والحكومات في الماضي والحاضر لم تأخذ هذه الأسس بنظر الاعتبار، ولم تهتم بها، فمنها من تلاعبت بها وغيرت أطرها، ومنها من تدخلت تدخلًا سافرًا في مجال تطبيقها ومارست ضغوطًا كبيرة ووضعت العراقيل والصعوبات أمام الناس عند محاولتهم عيش عقائدهم في حياتهم العملية، بل منعوا منه أحيانًا. ومع أن بعض الدول التي تدار حسب القواعد الدينية تكون سخية بعض الشيء تجاه مواطنيها المعتنقين لدين تلك الدولة من ناحية حرية الدين والوجدان، إلا أنه من الصعب قول الشيء نفسه بالنسبة للمعتنقين لدين آخر فيها أو فلسفة أخرى. بيد أن الذين فهموا الإسلام وعاشوه بحق تصرفوا على الدوام باحترام تجاه جميع الأديان والأفكار والفلسفات، ودخلوا في حوارات حميمة مع منتسبي هذه الأديان والأفكار والفلسفات، وأبدوا سماحة وتفهمًا واحتضنوهم على الدوام بكل شفقة. أما الذين لم يفهموا الإسلام بشكل صحيح وكذلك أصحاب الأديان والفلسفات الأخرى الذين بنوا فلسفتهم في الحياة على الحقد والنفور والكراهية والتفرقة والتعصب فقد قاموا بتضييق الأفق الواسع الموجود في لب كل دين سماوي وتقليصه، وقلبوا كل نظام أو أنظمة من نظم خير وفلاح إلى نظام أو أنظمة شر وفساد، وحرضوا منتسبيهم ونفثوا فيهم الغيظ والحقد والحسد ضد ما أطلقوا عليه اسم:"الآخرون"ليعاملوهم - طبعًا إن استطاعوا ذلك- بكل شدة وعنف وقسوة وبكل الطرق الوحشية.
ومع أن النظم العلمانية والليبرالية التي فصل فيها الدين عن الدولة تمامًا في أيامنا الحالية تبدو وكأنها تبنت فكرة السماح لكل إنسان بالعيش حسب ما يعتقد ويؤمن، إلا أننا نرى في العديد من البلدان كيف يُلتزم الإلحاد بكل قوة، وكيف تنعدم المسامحة وتَقَبُّلُ الدين والمتدينين، وكيف يُتصرف معهم بكل خشونة وفظاظة. ونحن نرى أن أمثال هؤلاء عندما يقبضون على إدارة أي بلد ويتحكمون في قدر أي أمة لا يبقى هناك أمن ولا طمأنينة في البلد بل يتم نسفهما تمامًا، وتطبيق أبشع أنواع القهر والظلم بشتى أنواع المعاذير، وترويض الجماهير وتدجينها. ويتكرر هذا حتى يبدو من الأمور العادية. ونستطيع أن نصف هذا بأنه الصراع الدائر بين القوة الغاشمة وحرية الضمير. ويرجع تاريخ هذا الصراع إلى ماضٍ سحيق. وفي مثل هذا الصراع يتصرف بعض أصحاب الأديان التصرف الظالم نفسه تجاه مخالفيهم تمامًا كتصرف الملحدين الظالمين - الذين لا يؤمنون بالله ولا بالأنبياء ولا بالأديان- تجاه المؤمنين، ويستعملون السلاح الظالم نفسه. ففي عهود مختلفة قام بعض الحكام اليهود - الذين يجعلون العنصر أهم شيء وأهم مقياس عندهم - بتصرفات ظالمة تجاه الأمم الأخرى، ولم يتسامحوا مع الآخرين. والأنكى من هذا أنهم قلبوا دينهم السماوي - الذي أتى لينشر السلام والأمن بين الناس - إلى وسيلة ضغط على حرية العقيدة والضمير. والحقيقة أن مثل هذا التصرف كما أدى إلى ظلم الآخرين ومعاناتهم، أدى في النهاية إلى انقراضهم وتبددهم.