فهرس الكتاب

الصفحة 13877 من 27345

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد، فلقد سبق في أعداد ماضية الحديث عن اليقين باليوم الآخر وثمراته، وفي هذه الحلقة بمناسبة الحديث عن هذا الأمر العظيم سأتوجه بهذه الكلمات إلى ثلاث فئات من الناس، هي التي تتألف منها مجتمعات المسلمين اليوم ، ولا يكاد يخرج فرد من الأفراد عنها ، وهذه الفئات هي:

أولًا: الفئة المصلحة الداعية إلى الخير:

وهؤلاء هم أشراف المجتمع وأحسنهم قولًا وأثرًا في الناس ، وأنبلهم غاية وأسماهم هدفًا ، وهؤلاء هم الذين عناهم الله عز وجل بقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ) (فصلت: 33) ، وقوله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيًَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (آل عمران: 104) ، وهم الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى [1]

وإلى إخواني هؤلاء أوجه هذه الكلمات:

اعلموا أنكم سادة المجتمعات وأشرافها بحق ، وكيف لا وأنتم تحملون أعظم رسالة وأنبل غاية ، ألا وهي تعبيد الناس لرب العالمين وإخراجهم بإذن الله تعالى من الظلمات إلى النور ، كيف لا وأنتم تضحون بأوقاتكم وأموالكم وراحتكم في سبيل إنقاذ أنفسكم وإنقاذ الناس من عذاب الله تعالىفي الدنيا وعذابه الأليم في الآخرة ... أيُّ غاية أشرف وأنبل من هذه الغاية ؟ .

ولما كان هذا العمل بهذه المنزلة ، فالله الله أن يضيع سدى أو يصير هباءً بنزغة شيطان أو هوى نفس يلوثان العمل برياء أو إرادة دنيا فانية ، أو ابتداع في الدين بما لم يأذن به الله سبحانه، إن صدور هذه الأمراض ممتنع من عبد أيقن باليوم الآخر ، وأيقن بيوم الحسرة التي يتحسر فيها العبد على كل عمل لم يخلص فيه لله عز وجل، ولم يتابع فيه الرسول . وإن ذلك - والله - لكائن في يوم التناد: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ) [القصص: 65] ، ويا سعد من كان جوابه: أجبناهم بالاتباع والانقياد وعدم الابتداع ، وياخيبة وخسارة من كان حاله كما قال تعالى: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءلُونَ ) [القصص: 66] .

وإن مما يحافظ على شرف الغاية في الدنيا وعظم الجزاء في الآخرة: سلامة الصدور ووحدة الكلمة ونبذ الفرقة والاختلاف ! لأن مما يضعف أثر أهل الخير على الناس: تفرقهم ومنابذة بعضهم لبعض، لأنهم بذلك ينشغلون بأنفسهم عن دعوة الناس ؛ كما أن الناس تضعف ثقتهم بأهل الخير إذا رأوا ما بينهم من الأحقاد والإحن، فالله الله في دعوة الله عز وجل، والله الله في العمل الصالح أن يضيع هباءً منثورًا في يوم الفاقة والحاجة، يوم يكون العبد في أمسّ الحاجة إلى حسنة واحدة يثقل بها ميزانه، إنه لا يمكن لمن أيقن بيوم الجزاء والحساب والوقوف بين يدي الديان عز وجل أن ينفق العمر القصير في قيل وقال وأحقاد وأضغان وافتراق على أمور يجوز الاختلاف عليها ، وبقدر ما يكون من هذه الأمراض في النفوس بقدر ما تؤخر عجلة الدعوة ، ويفتح المجال للفئة المفسدة لتبث سمومها في الناس، وتجرهم إلى الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة نسأل الله السلامة .

وإن من أخطر ما تفرزه الفرقة والاختلاف بين أهل الخير: الظلم والعدوان والانتصار للنفس وحظوظها بتأويل ، وأحيانًا بدون تأويل . وينبغي لمن أيقن بيوم الفصل ، وأيقن بيوم التلاق يوم أن يلتقي الظالم بالمظلوم والجائر بالمجار عليه .. أن يحسب لهذا المقام حسابه، وألا يتكلم إلا بعلم وعدل ، وأن يراعي حرمة مال المسلم وعرضه وجميع حقوقه، قبل أن يأتي يوم القصاص: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) [آل عمران: 30] .

إن اليقين باليوم الآخر وأهواله واليقين بالتبعة الفردية المذكورة في قوله تعالى: ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْدًا ) [مريم: 95] ، إن ذلك كله يفرض على الفئة المصلحة أن يكون الحق رائد كل فرد فيها ، وهذا بدوره يخلّص من الحزبية المقيتة ولوثاتها، وما فيها من التعصب للأشخاص أو الهيئات ، فكل هؤلاء لا ينفعون عند الله عز وجل إذا لم يكن الحق هو الرائد والموجه للجميع، وهذا يؤكد على الفئة المصلحة والداعية إلى الخير أن تربط الناس والأتباع بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح لا بآراء الرجال وعقولهم ، وهذا لا يعني التنقص من أهل العلم والدعوة وعدم تقديرهم ، كلا .. فلهم التقدير والمحبة والإجلال ، ولكن فرق بين التقدير والتقديس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت