فهرس الكتاب

الصفحة 24265 من 27345

الكاتب: الشيخ د.سلمان بن فهد العودة

هذا حديث يستقرئ أصول منهج النقد والحوار الذي يجب أن نتمثله في التعامل مع الآخرين، حين ندرك أننا جميعًا نقف تحت سقف الطبيعة الآدمية, وهي طبيعة ذات تكوين مركب من نواميس مختلفة، فيها: العاطفة، والأثَرَة، والطغيان، والهلع، وحب الذات إلى غير ذلك...، جملة من الكمالات، وجملة من النقائص يدور بينها حركة صراع, وربما حوار -أحيانًا- في هذه الدائرة (النفس الآدمية) التي ألهمها خالقها فجورها، وتقواها.

إن منهج النقد، والمراجعة يتمثل قوامه في تحقيق قاعدتين:

الأولى:الأخلاق.

الثانية:المعرفة, والعلم.

وربما كان من الأوليات احتياج النقد والحوار إلى العلم والمعرفة، فحين تتخلف هذه القاعدة، فلست تستطيع أن ترى قيمة للنقد، لكن ربما كان من غير الواضح -عند كثيرين- أن الأخلاق هي القاعدة الأولى في هذا المنهج.

صحيح أن فضيلة الأخلاق من أوليات الحقائق، ويشعر الجميع بأهمية التعامل الأخلاقي، لكن قد يكون الإشكال ناتجًا عن فهم الأخلاق نفسها،كما أنه ينتج عن تقدير مرتبة الأخلاق، وعلاقتها بالنقد والحوار.

إن النقد والحوار حين يتجرد عن أنظمة الأخلاق والعدل؛ فإنه يتحول إلى معارك بشرية مفتوحة، تمارس قوى الشر الكامنة في النفس البشرية حركتها الطاغية في هذه المعركة باسم العلم، أو الدين، أو الحقوق.

ومن انحراف أهل الكتاب أنهم اتخذوا العلم بغيًا بينهم؛ ولهذا كان تكليف الشريعة لأهل الإسلام: ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) [ الشورى:13] .

إن من لا يعرف تحصيل الحق إلا بتحصيل التفريق فيه لأهل الإسلام فليس هو فقيهًا في الشريعة، وكذا من لا يعرف تحصيل الاجتماع إلا بعدم تحقيق الحق والعلم الذي بعث به الرسول فليس هو فقيهًا أيضًا.

لئن كنا نتكلم كثيرًا عن حفظ الثوابت؛ فإن الأخلاق رائدة في هذه الثوابت، ولئن كنا نتحدث عن حفظ ثوابت علمية؛ فإننا يجب أن نتحدث عن حفظ ثوابت الأخلاق.

إن الأزمة التي تواجه الأمة اليوم,كما أنها تتمثل في غياب العلم والمعرفة؛ فهي تتمثل بصورة مماثلة - على أقل تقدير- في غياب الأخلاق بمفهومها الشامل.

وليس بعيدًا حين يقال: إن الأزمة اليوم تتمثل في الأخلاق, أكثر منها في العلم والمعرفة.

إن فقد الوعي بالقيم الخلقية من أكبر التحديات التي يجب أن تُسخّر مشاريع دعوية وإصلاحية لمعالجته، بل من حسن الاستقراء والترتيب أن العلم والمعرفة هي المنتج الأول للأخلاق، ومع هذا كثيرًا ما تبدو الأخلاق أكثر غائية من العلم الذي ينتجها.

حينما يعيش المجتمع فقدان الوعي بالنظام الأخلاقي فهو يعيش في تخلف يطيح بالكرامة الربانية لبني آدم إلى سقوط في أسفل سافلين.

إن تاريخ الأمم بأخلاقها، وزوال الأمم نتيجة زوال هذه الفضيلة ( الأخلاق ) ، والأخلاق ليست هي الرغبات البشرية في مجتمع ما، بل هي رسالة إلهية، وبعث محمد-صلى الله عليه وسلم- ليتمم صالح الأخلاق، كما لخص صلى الله عليه وسلم مقاصد بعثته في الحديث الصحيح.

ثمة ثوابت خلقية فطرية أولية؛ جاء الرسل ليحكموها، ويكملوا رسالة الأخلاق، وهنا ندرك أنها منهج رباني, أصوله فطرية، وتمامه نبوي رسالي، والحضارة الغربية المعاصرة تحكم قانون الأخلاق حكمًا بشريًا.

ومن هنا عرف في فلسفات الغرب ( الفيزياء الخُلقية ) أي: أن الأخلاق محكومة بنفس طريقة قوانين الحياة الفيزيائية.

إن الأخلاق منهج لا يؤهل مجتمع لصياغته صياغة عادلة، بل لا بد من كونه رسالة إلهية، وفي صحيح مسلم عن عائشة"كان خلق رسول الله القرآن".

الحديث عن الأخلاق رسالة راقية، ومنهج أصيل، وفي هذه المقدمة وقعت هذه الإشارة تحت حديث عن منهج النقد والحوار؛ لأن الأخلاق أخص قواعده، وهنا ننتقل إلى عتبات هذه المقدمة، ومدخلها.

من نعم الله على أهل الإسلام أن هيأ لهم في كل زمان من تاريخ هذه الأمة رجالًا صادقين، يشاركون في صياغة ورقة الأمة، وخطابها أمام المجتمعات والأمم، وهذا التواصل في تاريخ الأمة رائده هم العلماء والمصلحون القائمون في هذه الأمة مقام الأنبياء في بني إسرائيل، كما جاء ذلك عن ابن عباس, وفي الصحيح مرفوعًا"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت